إدارة الكعك الحكومية.. من أين بدأت حكاية "حلوى العيد"؟

كعك العيد المنزلي مرتبط بذكريات عائلية لدى المصريين (مواقع التواصل)
كعك العيد المنزلي مرتبط بذكريات عائلية لدى المصريين (مواقع التواصل)

صفاء علي

"كعك العيد" هو المظهر الأساسي لاحتفال المصريين بالعيد، ورغم أن الأمر قد يُكلف مئات الجنيهات بسبب مكوناته، التي تشمل السمن والسكر والدقيق والمكسرات، فإنه الطقس الذي لا يغيب أبدا عن مائدة المصريين في عيد الفطر، والذي يتناولونه صباحا بعد عودتهم من صلاة العيد مع الشاي والحليب.

وقبل سنوات كان كعك العيد القادم من الريف للمدن، والمصنوع من السمن البلدي والملبن، بوصفه هدايا للأقارب والمعارف، أبرز سمات التكافل الاجتماعي والترابط العائلي.

أصل الحكاية
بحسب الباحث في الفلكلور الشعبي، صلاح خطاب، فإن مصر عرفت صناعة الكعك في عصور ما قبل الإسلام، حيث اعتادت زوجات الملوك تقديم الكعك للكهنة القائمين على حراسة هرم خوفو في يوم تعامد الشمس على الهرم، ووصلت أشكاله إلى مئة شكل نُقشت بأشكال متعددة على مقبرة الوزير "خميرع" من الأسرة الثامنة عشرة، وكان يُسمى بالقُرص، حيث كان يُشكل على شكل تميمة مرسوم عليها أشكال مختلفة مثل الزهور وأوراق الشجر، وكان يعتقد أنها تفتح للميت أبواب الجنة.

واكتشفت صور لصناعة كعك العيد تفصيليا في مقابر طيبة، ووجدت أقراص الكعك محتفظة بهيئتها ومعها قطع من الجبن الأبيض وزجاجة عسل النحل.

المصريون استخدموا قديما نقوشا فرعونية في الكعك وهي العادة التي استمرت حتى يومنا (مواقع التواصل الاجتماعي)

العصر الإسلامي
بعد دخول الإسلام لمصر استمر اهتمام المصريين بالكعك، الذي كانوا يصنعونه في قوالب خاصة مكتوب عليها "كُل واشكر"، وفي عهد الدولة الإخشيدية صنع وزير الدولة أبو بكر محمد بن علي المادراني"، كعكا وحشاه بالدنانير الذهبية، وأطلقوا عليه وقتئذ اسم "افطن إليه" أي انتبه للمفاجأة التي فيه، أما الخليفة الفاطمي فكان يُخصص عشرين ألف دينار لصناعة كعك العيد، حيث تتفرغ المصانع لصنعه منذ منتصف رجب، وكان يتولى توزيعه بنفسه.

وخصصت الدولة الفاطمية إدارة حكومية تسمى "دار الفطر"، وكانت مهمتها تجهيز وتوزيع الكعك، وكان الشعب يقف أمام أبواب القصر الكبير عندما يحل العيد ليحصل كل فرد على نصيبه، واستمر هذا التقليد حتى أصبح حقا من حقوق الفقراء، كما خصصت أوقاف يُصرف من ريعها على صناعة الكعك، أشهرها وقف الأميرة تتر بنت قلاوون الحجازية، وكانت توزع الكعك الناعم والخشن على موظفي مدرستها التي أنشأتها عام 748هـ، وما زالت قوالب الكعك موجودة في متحف الفن الإسلامي بالقاهرة، مكتوب عليها عبارات مثل "كُل واشكر"، "وكل واشكر مولاك".

المصريون يلجؤون لشراء الكعك الجاهز من المحلات (الجزيرة)

طقس ما زال يقاوم
لم يتنازل المصريون عن الكعك المنزلي، وإن كانت هذه العادة أصبحت غير منتشرة الآن،غير أن النساء في بعض الأحياء الشعبية والريف، ما زلن يحافظن على إحياء هذا الطقس وتوريثه لبناتهن، وفي الريف خاصة تجتمع النسوة منذ منتصف رمضان لصناعة الكعك، وبقيت العجينة واحدة واختلف حشوه ما بين الملبن والعجوة والمكسرات، ورغم ظهور أنواع جديدة تبتكرها مصانع الحلويات، فإن الكعك العادي المزين بـ"رشات السكر" هو سيد الأنواع على الإطلاق.

وتقول مروة السيد للجزيرة نت "نجتمع منذ منتصف رمضان لصناعة الكعك، نساعد بعضنا بعضا، ويتم تخصيص يوم لكل جارة، تجتمع نساء الشارع كل يوم، لصناعة كمية لإحدانا، ونبدأ من بعد الإفطار إلى وقت السحور".

روائح الفانيليا وروائح الكعك المميزة تفوحان في الأزقة والحارات، ابتهاجا وإيذانا بقرب قدوم العيد، ويشارك الجميع في إعداد الكعك، بالمناقيش الخاصة والقوالب الهندسية اللتين تحملان أشكالا مختلفة لا تكلف النساء عناء الرسم والنقش على العجين بشكله الدائري، وإن كان استخدام المناقيش لرسم الأشكال، طقسا قديما، إلا أن أم حمدي ما زالت تهتم باستخدامها، ويستغرق "النقش" قرابة الساعتين.

أم حمدي، التي تبلغ من العمر 65 عاما، ما زالت تشتم رائحة تجمعات الأهل والأقارب في تلك الرسمات التي تنقشها بنفسها، كما أنها فرصة لتجميع العائلة، ومصدر لبهجة الأطفال.

تقول للجزيرة نت "هي عجينة محشوة بطعم الذكريات، وأتمنى أن تستمر بناتي في صُنع كعك العيد بعد وفاتي، ليتذكروني ويترحمن عليّ".

وتقول أم علاء، وهي مصرية تسكن إحدى قرى المنيا، إن صناعة الكعك المنزلي لم تندثر رغم وجود الأفران الآلية التي يفضلها البعض.

تضيف أم علاء للجزيرة نت "ارتفاع أسعار الخامات والتكلفة العالية لمصنعية الكحك (الكعك)، جعلتنا نرجع مرة أخرى لصناعته منزليا، والأمر أيضا له شق نفسي لدى الريفيات حيث تكون فرصة للترابط العائلي والاحتفال بفرحة العيد".

المصدر : الجزيرة