بروكسل وغانت وبروج.. متعة للقلب والعقل في بلجيكا

ساحة بروج القديمة توثق سحر المدينة التي أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث الإنساني (الجزيرة)
ساحة بروج القديمة توثق سحر المدينة التي أدرجتها اليونسكو على قائمة التراث الإنساني (الجزيرة)

هلا الخطيب-بلجيكا

من محطة الباصات في إحدى ضواحي العاصمة الفرنسية، تنطلق عدة حافلات على مدار الساعة إلى عدة عواصم أوروبية وهي مزوّدة بحمام ومقاعد مريحة وشبكة واي فاي، وكلما طالت الرحلة كثر الوقوف عند الاستراحات.

شاءت الصدف أن تسوق حافلتنا المتجهة إلى بروكسل، سيدة كبيرة في السن، تقود برزانة وسلاسة.

الإقامة على طرف "الساحة الكبيرة" في بروكسل تجربة رائعة، فالمطاعم والمحلات التجارية والفنادق ومحطات وسائل النقل كلها على مرمى نظرة، تسهّل خطوات أي رحلة سياحية عائلية كانت أو رومانسية أو رحلة عمل أو مع الأصدقاء.

المباني التراثية على ضفاف نهر لييف في مدينة غانت (الجزيرة)

بروكسل.. جنة محبي الشوكولاته
بروكسل مدينة متسعة القلب والنشاطات، وجنة محبي الشوكولاته التي تنتشر محلاتها في الأحياء تبيع منها مختلف الأشكال والأنواع، ويخرج العاملون والعاملات ويحملون الصواني المليئة بحبات الشوكولاته يدعون المارة للتذوق وخوض تجربة رائعة في هذا العالم اللذيذ.

مع الشوكولاته، لا بد أن تتذوق البطاطا المقلية الشهيرة في بلجيكا بأنواع متعددة من الصلصات، فضلا عن الوافلز بالشوكولاته والفواكه.

المقاهي والمطاعم توقعك في حيرة الاختيار، خاصة ليالي الجمعة والسبت حيث المغنون والعازفون يضفون على ليالي بروكسل البهجة والفرح، فتجد الساهرين يتمايلون وينشدون بحماسة.

المباني القديمة المضاءة تعطي المكان رهبة وروعة وقد أدرجت ساحة غراند بلاس على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1998 (الجزيرة)

"الساحة الكبيرة" تراث عالمي
"الساحة الكبيرة" قصة أخرى، فالمباني القديمة المضاءة تعطي المكان رهبة وروعة. وقد أدرجت هذه الساحة على قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 1998.

وعدا عن الناس المنتشرين في المقاهي على مدار الساحة، تجد الذين اتخذوا الأرض المرصوفة مكاناً للجلوس في حلقات يتسامرون ويغنون ويأكلون ويشربون، أو الذين يتنقلون في هيبة المكان يأخذون الصور أو يتأملون جمال العمارة من مبنى البلدية والمعارض والمسارح إلى المتاحف والكنائس، ومعظمها تعود إلى القرن السابع عشر.

لا تنسَ شراء مجسم الطفل!
في بروكسل ستجد في كل محلات بيع التذكارات مجسمات بكل الأحجام لطفل يقضي حاجته وقوفاً في حوض نافورة.. إنه مانيكن بيس، ولديه تمثال برونزي كبير منحوت عام 1641 في قلب بروكسل، يضع السياح له الورود ويلتقطون الصور.

تتعدد القصص المروية عن هذا الطفل، فبعضها يقول إن ساحرة حولته إلى تمثال بينما كان يتبول على حائط بيتها، وآخرون يقولون إن طفلا تبول على فتيل فأنقذ المدينة من حريق هائل، ويقال أيضا إنه رمز لطريقة تفكير البلجيكيين المستقلة والطريفة في آن.

 قلعة غرافنستين في غانت (الجزيرة)

غانت وبروج.. تفاصيل وقصص
مهما قصرت الإقامة في بلجيكا فلا بد من زيارة مدينتي غانت وبروج، فهذه الرحلة تستغرق يوما كاملا.

عشر ساعات مدة الرحلة ذهاباً وتنزهاً واكتشافاً ومتعةً وإياباً، من بروكسل إلى غانت إلى بروج ثم العودة إلى بروكسل.

من المفيد والممتع الذهاب في هذه الرحلة مع دليل سياحي، فالمدينتان تعجّان بالتفاصيل، ولكل زاوية قصة، ولكل بناء أخبار لا تنتهي.

سوق اللحوم التاريخي في غانت (الجزيرة)

أسواق غانت وأساطيرها
بعد نحو ساعة من الانطلاق من بروكسل، تصل إلى المدينة الأنيقة والباذخة النظافة والترتيب، حيث يمر نهر لييف، وعلى أطرافه مبان تراثية غنية بتنوع أشكالها.

فمن قلعة غرافنستين إلى الميناء إلى قاعة المدينة إلى سوق اللحوم التاريخي وسوق السمك إلى السوق القديم إلى المتاحف والأسواق التجارية التي ترتدي طابعا معماريا من طراز رفيع، تجعلها القنوات المائية المارة فيها بقواربها السياحية لوحات رائعة الجمال.. تستوقفك الزخرفات والرسومات والمنحوتات التي تزين جدران المباني بدقتها وألوانها وقصصها.

ومن أغرب القصص حكاية منحوتة لسيدة ترضع رجلا كبيرا، تظن للوهلة الأولى أنه مشهد غير لائق، حتى يخبرك الدليل أنها قصة رجل عجوز يدعى سيمون حكم بالإعدام جوعاً.

وكانت ابنته بيرو تزوره يومياً وتُمنع أن تدخل له طعاماً، فخطر للفتاة أن ترضع أباها كي تنقذه من الموت لشهور عدة، حتى ظن الحراس أنه قديس وأن الملائكة تأتيه بالطعام ليلا، فخافوا وأطلقوا سراحه. هذه اللوحة المنحوتة رسمها الكثير من فناني العالم وما يزالون.

الميناء في غانت جمال يجاور مبانيها التاريخية (الجزيرة)

بروج.. فن وإبداع
تغادر غانت وبعد أقل من ساعة تصل إلى بروج المدينة الغائصة بروعتها وبتاريخ يتناثر على ضفاف القنوات المائية التي تعود إلى القرن التاسع، وتنساب بهدوء وسحر غامض حتى شبهت بمدينة البندقية.

قد لا تفي الصور لتوثيق سحر مدينة بروج التي تحتوي تاريخا من الفن والإبداع يعود إلى القرون الوسطى. وفي العام 2000 أدرجت اليونسكو المدينة في قائمة التراث الإنساني.

من على برج بلفري العالي يأسرك المنظر البانورامي للمدينة الجميلة التي لا تتعب قدماك من السير في زواريبها وساحاتها، ولا يمل بصرك من مناظرها الخلابة. عربات الخيول والقوارب والدراجات الهوائية خيارات تختصر عليك الوقت وتعطيك زوايا جديدة لمشاهدة المدينة.

كما كل أسواق بلجيكا التي تجذبك بالشوكولاته ومحلات التذكارات، تجد في بروج الكثير من الأشغال اليدوية المعروفة بالكروشيه، إضافة إلى التطريز الذي كان يعد في القرن السادس عشر رمزا للمدينة.

لمايكل أنجلو يد في جمالية المدينة بمنحوتات عدة في كنيسة السيدة العذراء، كما لكثير من الرسامين في متحف غرونيج للفنون الجميلة.

وقد اتخذت الممثلة البريطانية الراحلة أودري هيبورن منزلا أبيض لها على ضفة إحدى القنوات هناك.

طرقات مدينة غانت المرصوفة ومبانيها المميزة (الجزيرة)

ساحة تجمّع نساء الجنود
في إحدى الساحات يخبرك الدليل السياحي أن هذا المكان كان مسورا ومقفلا بأبواب كبيرة، وتلجأ إليه نساء الجنود الذين يذهبون إلى الحرب، فيتجمعن مع أطفالهن ليساندن بعضهن بعضا، ويبقين هناك إلى حين عودة أزواجهن.

وكن يتحصن في هذا المكان خوفا من الغزوات واقتحام الأعداء لبيوتهن، إذ اعتبرن أن وحدتهن سر قوتهن.

كثيرة هي الحكايات والمشاهد، فوراء كل حائط تاريخ ينطق بقصص جميلة عن أزمنة غابرة وشخصيات بنت روعة هذه المدن بإبداع.

المصدر : الجزيرة