يعانون في صمت.. لماذا يتكتم الرجال على عنف زوجاتهم؟

الرجال أيضا يتعرضون للعنف المنزلي (بيكسابي)
الرجال أيضا يتعرضون للعنف المنزلي (بيكسابي)

فريدة أحمد

يقع ملايين الرجال سنويا ضحايا للعنف المنزلي. ربما يعتقد البعض أن تلك مزحة، لكن الدراسات والأرقام تؤكد أنها حقيقة. فقد يصدق المجتمع أن تتعرض امرأة للضرب على يد زوجها، لكنه يرفض العكس أو لا يقبل تصديقه، إلا أن ذلك لا يغير في الأمر شيئا.

صحيح أن نسبة المبلغات عن العنف أكبر بكثير، لكن ذلك أيضا لا يعني شيئا، التقارير أثبتت أن النساء لديهن القدرة على الإبلاغ، لكن نسب الرجال الذين يتعرضون للعنف تبدو أقل، لكن ذلك لا يعني أن الرجال المعنفين أعدادهم قليلة، بل يعني، فقط، أن الرجل يفضل أن يعنف في صمت ويتكتم.

الرجال مستهدفون أيضا
يقول جون "كانت تهاجمني في منتصف الليل عندما كنت نائما، وتلكمني في رأسي وفي وجهي، لم أستطع فعل أي شيء سوى محاولة صدها، كان الأمر صعبا للغاية".

جون ضحية من بين 695 ألف رجل تعرض للعنف المنزلي في إنجلترا خلال العام الماضي فقط، بفارق يتجاوز الـ500 ألف ضحية عن العام الذي يسبقه طبقا لدراسة استقصائية للجريمة في إنجلترا وويلز.

لجأ جون بعد فترة كبيرة من خضوعه للتعنيف على يد شريكته لدرجة جعلته يشعر بأنه سيكون أفضل حالا ميتا، إلى جمعية ويلش تشاريتي "Welsh Charity" المخصصة لمساعدة الرجال ضحايا العنف، طالبا المساعدة. 

رجل من بين كل ستة رجال يتعرضون لسوء المعاملة المنزلية (بيكسابي)

ويؤكد المسؤولون في الجمعية، طبقا لموقع بي بي سي، أن الجمعية شهدت زيادة كبيرة في أعداد الرجال اللاجئين إليها، خاصة أن عدد الرجال المبلغين عن العنف في المدينة يوازي نصف عدد المبلغات من النساء، إذ ترصد التقارير أن 1.3 مليون امرأة و695 ألف رجل تعرضوا للعنف المنزلي في العام الماضي.

كما أشارت إحدى المنظمات الخيرية مبادرة الجنس البشري "The ManKind Initiative" أن ثلث ضحايا الإيذاء المنزلي من الرجال، ولرغم أن رجلا واحدا من بين ستة رجال يتعرضون لسوء المعاملة المنزلية فإن رجلا من بين 20 ضحية فقط يلجأ لطلب المساعدة.

الأرقام تتحدث
تركز أغلب التدابير والمبادرات على العنف الذي يرتكبه الرجال ضد النساء، لكن أرقام المكتب الفدرالي للشرطة الجنائية الألمانية، الذي ينشر سنويا إحصائيات عن العنف المنزلي، كشفت أن 17.9% من الرجال وقعوا ضحايا عنف مارسه عليهم شركاؤهم، مما يعني أن من بين 127 ألفا و236 بلاغا عن هجمات وحالات اغتصاب ومحاولات قتل وحرمان من الحرية، هناك 23 ألفا و872 بلاغا تقدم بها رجال، ويشير التقرير الصادر عام 2018 أن العدد قد يكون أكبر من ذلك بكثير، لكن الرجال يشعرون بالعار للإبلاغ عما وقع ضدهم.

الأمر الذي دعا ولايتي "بافاريا" و"شمال الراين وستفاليا" إلى إطلاق مبادرة، منتصف الشهر الجاري، للحد من العنف المنزلي الذي يواجهه الرجال، من خلال إنشاء خط اتصال مباشر ومنصة لتقديم المساعدة على الإنترنت، وإقامة منازل آمنة ومراكز استشارية والإعلان بكل وضوح عما يتعرض له الرجال من عنف منزلي، وفقا لدويتشه فيله.

في الولايات المتحدة الأميركية، الوضع أكثر خطورة، حيث يتعرض أكثر من 10 ملايين شخص للعنف. ويمثل ضحايا العنف من النساء أكثر من 1 لكل 3 بنسبة 35.6%، في حين يقع أكثر من رجل من كل أربعة رجال ضحية للعنف من الشريك بنسبة 28.5%. طبقا للمركز الوطني الأميركي لمكافحة والوقاية من الأمراض.

لماذا يتكتم الرجال؟
أسباب عدة تجعل الرجال يتحملون العنف المنزلي ولا يتحدثون عنه، منها الاعتقاد بأن العنف المنزلي يحدث فقط للنساء، يغذي هذا لديهم الخوف أنه لن يصدقهم أحد ويلقى القبض عليهم بتهمة العنف ضد الشريك الذي ربما حاول الدفاع عن نفسه مسببا بعض الآثار على الطرف الآخر. طبقا لمايكل ديكس وليامز من جمعية ويلش تشاريتي.

ويعد الشعور بالحرج والخوف من الانتقام أحد الأسباب الرئيسية كذلك، كما تقول الدكتورة سارة والاس، الأكاديمية في جامعة جنوب ويلز، إلا أن الشيء الأكثر حساسية الذي يمنع الرجل من الإبلاغ هو صعوبة أن يرى نفسه ضحية ويتحدى القوالب النمطية الجنسانية.

في حين ترى إليزابيث بيتس، أستاذة علم النفس في جامعة كمبريا، على موقع بي بي سي، أن الإعلام وحملات التوعية الضخمة التي تركز على العنف المنزلي وأنه موجه ضد النساء يجعل هناك ندرة في خدمات الدعم المقدمة للرجال.

695 ألف رجل تعرضوا للعنف المنزلي في إنجلترا العام الماضي (بيكسابي)

عربيا، تغيب الأرقام والإحصاءات إلا في المملكة المغربية التي أطلقت في فبراير/شباط الماضي لأول مرة بحثا وطنيا لقياس انتشار العنف ضد الرجال وأشكاله، تشرف عليه المندوبية السامية للتخطيط، وهي جهاز حكومي مكلف بالبحوث الوطنية وبتعداد السكان، خاصة بعد إعلان الشبكة المغربية للدفاع عن حقوق الرجال بالدار البيضاء استقبال 24 ألف حالة عنف ضد الرجال منذ تأسيسها عام 2008.

ومن المقرر أن ينتهي البحث خلال الشهر الجاري، وهو أول بحث من نوعه في العالم العربي لقياس مدى العنف المنزلي الذي يتعرض له الرجل على يد شريكته، وربما يكون انطلاقة وبداية مشجعة لباقي الدول العربية لكسر ذلك التابوت من خلال الاعتراف به والإعلان عنه لإيجاد حلول له.

بينما تحتل مصر المركز الأول عالميا في تعرض الرجال للعنف من قبل النساء، ويشكل العنف المنزلي ضدهم نسبة 28%، بحسب مركز بحوث الجرائم التابع للأمم المتحدة، ويعتقد أن نسبة كبيرة من تلك الإحصاءات مرتبطة بالبلاغات الكيدية في قضايا الطلاق.

المصدر : الجزيرة