فن البونساي في ماليزيا.. الطبيعة بجمالها تلهم القلب التأمل والمتعة

الفنان إدي كين ليم: فن البونساي يعلمنا الصبر وتقدير الطبيعة حولنا (الجزيرة)
الفنان إدي كين ليم: فن البونساي يعلمنا الصبر وتقدير الطبيعة حولنا (الجزيرة)

سناء نصر الله- كوالالمبور

في مشتله الكائن بالعاصمة الماليزية كوالالمبور، وبين أشجار صغيرة هذبت فروعها باحتراف لا مثيل له، يقضي إدي كين ليم جل وقته في نحت الأشجار وتحجيمها، وهو ما يعرف بفن البونساي.

هذا الفن يحول كل شجرة إلى حكاية، فمن أين جلبت؟ وكم عاشت عدد سنين؟ تحدثك الأغصان عن تلك الأنامل التي نحتتها بكل جد واحتراف حتى غدت لوحات فنية توقظ في النفس مشاعر البهجة والسرور.

إحضار الطبيعة بجماليتها
يخبرنا الفنان كين ليم -وهو سليل أسرة احترفت هذا الفن وتوارثته جيلا عن جيل- أن فلسفة البونساي قائمة على إحضار الطبيعة بجماليتها، ووضعها في أصيص صغير، إذ تمكننا الأحجام الصغيرة من رؤية التفاصيل الدقيقة الكاملة والكامنة في الطبيعة حولنا. 

ويتابع كين ليم -الذي تعلم هذا الفن منذ نعومة أظافره على يد والده- حديثه عن فن البونساي، فيقول إنه يحدث ذاك التناغم والانسجام بيننا وبين الطبيعة، فلكل نبتة خصوصيتها وشخصيتها تبعا لنوعها وللمكان الذي جلبت منه، فمثلا لا نستطيع أن نجبر شجرة عمودية على الانحناء لأنها ستكسر لا محالة.

أشجار البونساي تقدم كهدايا لما لها من قيمة معنويه جميلة (الجزيرة)

حس وذائقة فنية
البونساي فن نحت الأشجار وتحجيمها عن طريق زراعتها في أصص صغيرة، ويتم التحكم في حجمها عن طريق قص الجذور وتشذيبها باستمرار وتقليم الأغصان والفروع.

تبدأ الرحلة مع فن البونساي من اختيار التصميم، سواء أكان تقليديا كتصميم الرياح والشلال، أو على أشكال الحيوانات الخرافية مثل التنين. كما يستطيع الفنان إبداع تصميمه الخاص من مخيلته. ويعتبر اختيار التصميم وتطبيقه المرحلة الأصعب في نحت البونساي.

بعد ذلك يتم اختيار الشجرة المناسبة للتصميم، فعند اختيار شكل الريح مثلا -وهو من التصاميم التقليدية- يفضل اختيار شجرة جبلية تتحمل الانحناء، كالسرو والصنوبر والسنديان. أما للمبتدئين فيفضل أن تكون الشجرة ذات طبيعة دافئة طيعة يسهل التعامل معها.

فن صديق للبيئة
تبدأ عملية التطويع من خلال لف الأغصان وربطها بأسلاك من الألمنيوم لتوجيه نمو النبتة وفقا للتصميم الذي تم اختياره. 

ويتفق محترفو هذا الفن على أهمية حس الفنان لاختيار التصميم وتطويع الشجرة لا إجبارها، والتعامل معها ككائن حي، وهم يعتقدون أن هذا الفن يقوم على الذائقة والثقافة المرتبطة بفهم رسالته الروحية والمعنوية، لذا يصعب تعلمه كحرفة فقط. 

لذا فإن اختيار تصميم مبدع يليق بالشجرة وطبيعتها، ويرضي في الوقت ذاته طموح الفنان، بحاجة إلى مراس طويل.

وكما يقول الفنان كين ليم فإن البونساي يعد فنا ملهما محببا إلى القلب وصديقا للبيئة، ويتيح لنا فرصة للتأمل والتفكر ويعلمنا الصبر وتقدير الطبيعة حولنا.

ثمن شجرة البونساي يزيد كلما زاد عمرها الذي قد يصل أحيانا إلى مئات السنين (الجزيرة)

قيمة البونساي
ترجع أصول فن البونساي إلى الصين، وانتقل منها إلى اليابان، وهو فن ضارب في القدم، يرتبط بالتعاليم البوذية التي يشكل فيها التأمل ركنا أساسيا.

ونقل هذا الفن عن طريق بعض أتباع الثقافة البوذية إلى اليابان ومنها إلى جنوب شرق آسيا، وبعد ذلك توسع انتشاره في دول العالم، وأصبح فنا معروفا، لكن بعض الخبراء يرجعون أصوله إلى النيبال.

كانت أشجار البونساي قديما مقتصرة على الخاصة من طبقة الساموراي ورهبان البوذية، ومع الزمن أتيح اقتناؤها للجميع، وفي ماليزيا يفضلها ذوو الأصول الصينية، ويتم تداولها كهدايا لما لها من قيمة معنوية جميلة لأنها تهب الحظ السعيد وتديم النعمة على من تهدى له، على حسب قولهم.

ويختلف اختيار الماليزيين لأشجار البونساي حسب الغرض، فمنهم من يشتريها للزينة، ومنهم من يشتريها لتربيتها والعناية بها كهواية.

في البداية يتم اختيار الشكل ثم العمر وأخيرا الحجم، ويزيد ثمن البونساي كلما زاد عمرها الذي قد يصل أحيانا إلى مئات السنين.

المصدر : الجزيرة