هل تحمي دورات التأهيل الأسر المصرية من شبح الطلاق؟

ارتفاع معدلات الطلاق في مصر دفع خبراء وباحثين إلى المناداة بضرورة تأهيل الشباب قبل الزواج (مواقع التواصل الاجتماعي)
ارتفاع معدلات الطلاق في مصر دفع خبراء وباحثين إلى المناداة بضرورة تأهيل الشباب قبل الزواج (مواقع التواصل الاجتماعي)

عبد الرحمن محمد-القاهرة

ضمن الجهود الرسمية لمجابهة خطر ارتفاع نسبة الطلاق في المجتمع المصري، أطلقت دار الإفتاء المصرية المرحلة الثانية من برنامج مودة التدريبي لإعداد وتأهيل المقبلين على الزواج الذي تشرف عليه وزارة التضامن الاجتماعي.

وكشفت إحصائية أعلن عنها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في مصر عن ارتفاع حالات الطلاق خلال العام الماضي إلى 211 ألفا و521 حالة مقابل 198 ألفا و269 حالة خلال 2017، ليرتفع معدل الطلاق من 2.1 لكل ألف من السكان في 2017 إلى 2.2 في 2018.

وعلى مستوى الإحصاءات الشهرية، ارتفع عدد حالات الطلاق في مصر خلال ديسمبر/كانون الأول 2018 إلى 18 ألفا و500 حالة مقارنة بـ17 ألفا و600 حالة في ديسمبر/كانون الأول 2017، بنسبة زيادة بلغت 5.1%، وبمعدل 26 حالة طلاق كل ساعة.

هذا الارتفاع المطرد خلال الأعوام الماضية دفع خبراء وباحثين إلى المناداة بضرورة التأهيل والإعداد اللازم لمرحلة الزواج قبل دخولها، وهو الأمر الذي أسهم في تزايد الدورات المقدمة لتحقيق هذا الهدف، وظهور كيانات قامت أساسا انطلاقا من هذا الاحتياج.

دار الإفتاء أطلقت برنامج مودة التدريبي لإعداد وتأهيل المقبلين على الزواج (مواقع التواصل الاجتماعي)

آراء متباينة
وفي الوقت الذي تفاءل فيه البعض بما يرونه ارتفاعا في الوعي لدى المجتمع على خلفية تزايد تلك الدورات، تتابعت مؤخرا انتقادات من قبل متخصصين للجهات المقدمة لهذه الدورات، فهي -في تقديرهم- غير مؤهلة لأداء هذه المهمة، ودافع بعضها استغلال حاجة الناس لتحقيق مكاسب مادية كبيرة من خلال هذه الدورات.

وبتتبع أسعار هذه الدورات وجد أنها تتراوح بين 350 جنيها (21 دولارا) و1500 جنيه (90 دولارا)، تقدم من خلال عشرات المراكز الخاصة، فضلا عن أفراد يقدمون أنفسهم باعتبارهم مدربين أصحاب خبرة في هذا المجال تحت عناوين جذابة تنطلق من المشكلات المعهودة في هذا السياق.

هذا الارتفاع جعل الدورة المقدمة من قبل دار الإفتاء المصرية بديلا اقتصاديا مناسبا لشرائح واسعة من المصريين، حيث قدرت رسومها بـ80 جنيها (5 دولارات)، الأمر الذي يميزها عن غيرها من الدورات، حسب عمرو الورداني مدير إدارة التدريب بدار الإفتاء والمشرف على الدورة.

وينفي الورداني في تصريحات صحفية اتهامات وجهت إلى دار الإفتاء من قبل ممثلين لمراكز خاصة تقدم هذه الدورات، باعتماد الدار في دوراتها على أكاديميين شرعيين فقط، مؤكدا استعانتهم بأساتذة علم اجتماع وعلم نفس وتخصصات نساء وولادة ومتخصصين في الديكور والتنمية البشرية.

ويرى الورداني أن هناك متاجرة من قبل العديد من المراكز المجهولة وغير المختصة التي لا تملك القدرة على التأهيل وتتخذ الشباب وسيلة للربح، دون أن يشتمل البرنامج على محتوى علم مضمون أو يقدمه أساتذة مختصون، لافتا إلى إمكانية جعلها ملزمة للمقبلين على الزواج.

يذكر أن الكنيسة المصرية تلزم رعاياها باجتياز دورة المخطوبين قبل الزواج، مع الحصول على شهادة تثبت حضور الدورة كاملة لإتمام الزواج كنسيا وإعطاء تصاريح الإكليل، وتقدم تلك الدورات برسوم رمزية.

وأظهرت دراسة أعدها الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء عن تطور ظاهرة الطلاق خلال السنوات من 1996-2015 أن الطلاق أصبح بمعدل 40% من حالات الزواج التي تمت في السنوات الخمس الأخيرة من هذه الفترة بعدما كان 7%.

حالات الطلاق ارتفعت في مصر بصورة مخيفة خلال السنوات الخمس الماضية (الجزيرة)

ضرورة اجتماعية
وفي هذا السياق، أكدت الباحثة الاجتماعية صفاء صلاح الدين على أهمية عقد هذه الدورات، للحد من الارتفاع المطرد في نسب الطلاق، وإكساب المقبلين على الزواج المهارات اللازمة لإدارة مشاكل الحياة في ظل ظروف معيشية باتت أصعب مما مضى.

واعتبرت الباحثة -التي تدير مشروع "مدرسة الزواج" الذي ينظم دورات تأهيل للزواج- أن تزايد هذه الدورات وتنوعها لا يعدان أمرا سلبيا، لكنها رأت ضرورة أن تقوم كوادر عليا متخصصة بإكساب الخاضعين لهذه الدورات المهارات اللازمة.

وتثمن صلاح الدين في حديثها للجزيرة نت دخول دار الإفتاء هذا المعترك، حيث ترى أنها وفرت البديل الاقتصادي المناسب لكثير من المصريين، مشيرة إلى أن البرنامج المقدم في دورات الدار مميز وشامل، ويضاهي أفضل برامج تأهيل المقبلين على الزواج.

وتشير الباحثة الاجتماعية إلى أن وزارة التضامن الاجتماعي تدرس إلزام المقبلين على الزواج بالحصول على رخصة أحد شروطها الخضوع لهذه الدورات، لافتة إلى أن الإقبال على هذه الدورات في تزايد إلا أنه لم يبلغ القدر المرضي حتى الآن.

ومع تقديره لأهمية هذه الدورات، رأى أستاذ الطب النفسي والخبير الاجتماعي أحمد عبد الله أن أسباب ارتفاع نسبة الطلاق في مصر لا تنحصر في افتقار المقبلين على الزواج للمهارات والمعارف اللازمة، وإنما تتجاوز ذلك إلى أسباب أخرى، أبرزها افتقار البيئة المصرية إلى الخدمات الأساسية الضرورية للحياة الأسرية.

وأوضح عبد الله في حديثه للجزيرة نت أنه لا بد من توافر مجتمع موحد القيم يستطيع طرفا الحياة الزوجية الاعتماد عليه وتلقي الدعم القيمي والاجتماعي والمادي، وهو ما تفتقر إليه مصر التي تفتقد كذلك تناغم النسيج المجتمعي، فينشغل كل فرد بمشكلاته.

لكنه شدد على أن هذه الدورات غير كافية لإنقاذ منظومة الزواج بمصر، واختزال معالجة تدهور هذه المنظومة في هذا السياق لن يوصل إلى نتيجة مؤثرة ومرضية، لكنه اعتبر في الوقت ذاته جهد دار الإفتاء في هذا السياق مقدرا ويستحق الدعم.

المصدر : الجزيرة