التاريخ المؤلم لضفائر الراستا.. قرون من العبودية لترك الشعر على حريته

في السنوات الأخيرة انتشرت موضة ضفائر الراستا ذات الأصول الأفريقية (مواقع التواصل الاجتماعي)
في السنوات الأخيرة انتشرت موضة ضفائر الراستا ذات الأصول الأفريقية (مواقع التواصل الاجتماعي)

زهراء مجدي-القاهرة

أصبح الشعر المجعد، والراستا تحديدا، من أحدث صيحات الموضة للشعر، وانتشرت أشكال متعددة لتضفير الشعر المجعد.

ولقرون طويلة ابتكر الأفارقة قصات شعر للتعامل مع طبيعة شعرهم المجعد والهش، وهي القصات التي ما زالت منتشرة بيننا، وانتقلت لثقافات بقارات أخرى ليست بوصفها هوية وتقليدا، ولكن بوصفها صيحة جديدة وطريقة طبيعية للتعامل مع الشعر دون الإضرار به.

غير أن قصات الشعر كانت طريقة لاستحضار تاريخ طويل لأصحابها، مرورا بأحلك أوقاتهم منذ نشأتها في أفريقيا، وحتى أيام العبودية وترحيلهم عن أرضهم، وليس انتهاء بثقافة البوب القائمة حتى الآن، ليظل تجديل الشعور في مجتمع الأميركيين الأفارقة إلى اليوم هويتهم التي يرتبطون بها، دون أن يدرك من حولهم مدى عمق هذه الجدائل.

رسائل الضفائر وعلاقة الشعر بالسماء
في الحضارات الأفريقية الأولى كانت قصات الشعر تشير إلى قبيلة الشخص ووضعه الاجتماعي وخلفيته الثقافية أيضا، حيث كانوا يعتبرون الشعر -لكونه أقرب أجزاء الجسم إلى السماء- هو قناة تفاعل الإنسان روحانيا مع الله، ويغيرون أشكاله حسب الوضع، فالذهاب للحرب يتطلب شعرا مضفرا للرجال في السنغال وغامبيا، وفي الحداد تترك النساء شعورهن مشعتة دون ترتيب.

استخدمت الضفائر أيضا للدلالة على الزواج والعمر والدين والثروة وحتى المشاعر.

وابتكرت ربات البيوت النيجيريات تسريحة باسم كوهين سوروغون بتجميع الضفائر على جانبي الرأس لرفض الزوجة الأخرى والتعبير عن الغيرة، أو السخرية من زوجات جيرانهم.

وفي السنغال، إذا كانت الفتاة قد بلغت ولم تتزوج بعد، تحلق شعرها بطريقة معينة.

أما طريقة البانتو التي تستخدمها الفتيات اليوم بتقسيم رؤوسهن لمربعات وضم الشعر في مجموعات لإكسابه تموجات لامعة، فكانت وسيلة لتصنيف أكثر من 400 مجموعة عرقية في جنوب أفريقيا.

وبالنسبة لتسريحة كراون راوز أو حقول الذرة، فقد جاءت لتمثيل الحياة الزراعية والنظام في تقسيم الأراضي وريها.

وظهرت الضفائر الطويلة أو الراستا أيضا في النقوش والكتابات الهيروغليفية من مصر القديمة، وبدا ذلك من اكتشاف تمثال نصفي من الحجر الرملي للملكة المصرية نفرتيتي بتسريحة شعر أفريقية، وفي تابوت الأميرة كاويت التي رجح معها المؤرخون استخدام القدماء للشعر المستعار المجدول بدلا من التيجان لتغطية الرأس.

ليشارك المصريون وسط وجنوب أفريقيا في استخدام قصات الشعر للدلالة على منزلة الفرد الاجتماعية، خاصة وأن الدستور في مصر القديمة حرم على العبيد ارتداء الشعر المستعار، الذي كان يصنع من الشعر البشري والصوف وألياف النخيل، بحسب موقع هيستوري.

 الضفائر استخدمات للدلالة على الزواج والعمر والدين والثروة وحتى المشاعر (غيتي إيميجز)

حلق الشعر لمحو الهوية
في الفترة بين القرنين السادس عشر والعشرين، تم تهجير حوالي 11 مليون و640 ألف أفريقي من قارتهم عبر المحيط الأطلنطي إلى أميركا الشمالية من أجل استعبادهم وبناء القارة الحديثة، وخلال نقلهم في صناديق خشبية محكمة الغلق، تم حلق رؤوسهم لمحو هويتهم القديمة وأنسابهم، وطريقة لكسر نفوسهم للقبول بالدور الصعب دون تذكر ماض كانوا فيه أسياد أنفسهم.

ورغم إلغاء العبودية في أميركا في عام 1865، فإن الضغط على الأفارقة الأصليين استمر للإبقاء على شعورهم بما يتناسب مع المجتمع الأبيض الحديث، سواء بحلق شعرهم تماما أو تنعيمه وتمليسه، للتحرك والعيش بأمان، والتغطية على أصولهم وعبوديتهم، وسميت هذه الفترة -رغم التحرر- بـ"الاضطهاد الكبير".

في هذه الفترة كان على الأفارقة الأصليين اتباع الكثير من الأساليب لتنعيم شعورهم، مهما كانت مكلفة ومرهقة ومضرة بشعورهم وجلودهم، فقد كان الرجال والنساء يضعون على شعورهم خليطا كيميائيا ساخنا، يحرق فروة رؤوسهم تقريبا، كي يستطيعوا تمشيط شعرهم للوراء ويصبح كالأوروبيين.

وقتئذ تضرر كل الأفارقة في أميركا، وفاز أحدهم من هذا، فكانت سيدة الأعمال الأفريقية الأصل مدام سي جيه ووكر أول مليونيرة عصامية في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، بعدما خسرت شعرها واعتلت فروة رأسها من مستحضرات تنعيم الشعر، لتبدأ في تصنيع منتجات أقل ضررا بمعاملها الخاصة، وأنتجت شامبو وكريمات للشعر الأفريقي.

وسرعان ما أصبحت خبيرة تجميل، واعتمدت على النساء الأفريقيات في هذه الصناعة لدعمهن، بجانب دورها الخيري الذي استمر حتى وفاتها.

الشعر يعكس اختياراتنا الفردية
عادت تقليعات الشعر الأفريقي في ستينيات القرن الماضي خلال حركة الحقوق المدنية كرمز للتمرد والفخر بهوية مفقودة، وكطريقة للاحتجاج على التمييز العنصري، ليظهر ثانية المشط الأفريقي بأسنانه الواسعة، ولكنه الآن بمقبض على شكل تحية نيلسون مانديلا، في إشارة لقوة واتحاد الأفارقة.

وتدريجيا أصبحت تصفيفة الشعر الأفريقية "تقليعة"، وظهرت موضة الشعر الطويل المجدول التي اشتهر بها بوب مارلي، كما وصلت "التقليعة" إلى أوروبا، وانتشرت بين البريطانيين.

بوب مارلي (مواقع التواصل)

تمت تسمية هذه الطريقة الجديدة نسبيا بالراستافاري (اسم قبيلة أفريقية قديمة)، وهي الراستا المعروفة بيننا اليوم، ودعم ظهورها الناشط السياسي ماركوس غارفي، الذي حظر على الأفارقة المؤمنين بحقوقهم قص شعورهم وتضفيره على شكل طويل، وهو النمط الذي يعود للعهد القديم، وفي الأسطورة يقال إن الإله الهندوسي شيفا كان يضفر شعره على هذا النحو بلا قص.

رغم ذلك، وحتى اليوم ما زال الكثير يشعر بأن على أصحاب الشعر الأفريقي المجعد الالتزام بالمظهر الأوروبي لأنه الأجمل.

لكن في السنوات الخمس الأخيرة تعالت نداءات بالعودة للطبيعة، وتقبل تموجات الشعر القوية، والتوقف عن استخدام المواد الكيميائية الضارة، والحرارة الحارقة لبصيلات الشعر، والخروج للشارع بالتموجات الطبيعية، حتى أصبحت العناية بالشعر المجعد صناعة كبرى تقدر بملايين الدولارات، ووصلت عام 2019 إلى 876 مليون دولار من أمشاط وكريمات، تتهافت على منتجاتها النساء، اللواتي يتصفحن ليلا ونهارا الإنترنت للتعرف إلى طرق طبيعية مبتكرة لتجعيد شعورهن أكثر.

المصدر : الجزيرة