كيف تتعامل مع الإحساس بالفراغ بعد تحقيق هدفك؟

النجاح في أمر ما لا يضمن لك الشعور بالسعادة الدائمة وفقا للمحاضر تال بن شاهار (بيكسابي)
النجاح في أمر ما لا يضمن لك الشعور بالسعادة الدائمة وفقا للمحاضر تال بن شاهار (بيكسابي)
النجاح في حياتك المهنية على غرار حصولك على ترقية أو زيادة في المرتب أو إنهاء مشروع ما سيبعث فيك شعورا بالسعادة والفخر بما أنجزته، بيد أن النجاح في تحقيق هدف ما سيُولد لديك شعورا بالفراغ الداخلي وغموضا حول ما ستكون عليه الخطوة التالية.
 
وتطرّقت الكاتبة آي سي شيلتون في هذا التقرير الذي نشرته صحيفة نيويورك تايمز الأميركية، إلى كيفية التعامل مع الإحساس بالفراغ الذي عادة ما يلي تحقيق هدف أو طموح معين.
 
الشعور بالسعادة
وأفادت الكاتبة بأنها حين أنهت تصوير المشاهد الأخيرة من المسلسل الشهير "الرجل البريء" الذي تعتبره مصدر فخر لها، شعرت بعد بضعة أيام بأن حياتها العملية أضحت فارغة تماما، وتملّكها شعور بالحزن الشديد وموجة من اليأس يُطلق عليها اسم "مغالطة الوصول".

وبحسب خبير علم النفس الإيجابي المحاضر في جامعة "هارفارد" تال بن شاهار الذي يُنسب إليه الفضل في صياغة هذا المصطلح، فإن مغالطة الوصول تتمثل في توهم الشعور بالسعادة الدائمة بمجرد أن نحقّق هدفا ما أو نصل إلى مرادنا.

وأشار تال بن شاهار إلى أن مغالطة الوصول تجعل بعض نجوم هوليود يعانون من مشاكل عقلية تدفعهم إلى تعاطي المخدرات في وقت لاحق من حياتهم.

وقال "هؤلاء الأشخاص يتملكهم شعور بالأمل في البداية بأنهم سيشعرون بالسعادة حين ينجحون في تحقيق أهدافهم المنشودة، ولكن بمجرّد بلوغ هدفهم يشعرون بالرضا لفترة وجيزة، إلا أن هذا الشعور لا يدوم طويلا لأنه يتبعه شعور بالتعاسة واليأس في الآن ذاته".

ربط السعادة بالنجاح في تحقيق الأهداف معادلة غير صحيحة في أغلب الأحيان  (بيكسابي)

وعادة فإن ربط المرء شعوره بالسعادة بنجاحه في تحقيق أهدافه يمثل معادلة غير صحيحة في أغلب الأحيان (على الأقل ليس على المدى الطويل)، وتكمن المشكلة الأساسية في عدم إدراك هذه الحقيقة التي تتناقض مع مقتضيات الحلم الأميركي الذي يرسّخ فكرة أن العمل الجاد وتحقيق الأهداف يمثلان سبيل عيش حياة سعيدة.

فراغ روحي
نحن نحث أطفالنا على أن يكونوا ناجحين في حياتهم لأننا نريدهم أن يشعروا بالسعادة، لكن مع تقدمهم في السنّ وبعد أن يحققوا ما كانوا يطمحون إليه سيشعرون بفرحة عارمة واعتزاز شديد، إلا أن هذا الإحساس سرعان ما سيتحوّل إلى فراغ روحي.

وطُلب في دراسة أجريت عام 1998 نُشرت في "مجلة الشخصية وعلم النفس الاجتماعي"، من الأساتذة الذين تبوؤا مناصب عليا أو الذين حُرموا من الترقية في السنوات الخمس الأخيرة تقييم مستوى سعادتهم.

وبما أن تولي مناصب عليا في الأوساط الأكاديمية يمنح شعورا بالحماية ومكانة مرموقة وعادة ما يكون مصحوبا بزيادة في الأجر، فإنه كان من المتوقع أن يشعر الأساتذة الذين حصلوا على ترقية بالرضا عن وظائفهم، بيد أن النتائج بينت أن كلتا المجموعتين تشعران بمستويات متقاربة من السعادة.

وتطرقت هذه الدراسة أيضا إلى آراء الأساتذة المساعدين الذين ينتظرون بفارغ الصبر الترقية، بشأن مدى سعادتهم في حال نجحوا في تحقيق هذا الهدف.

وبالغ هؤلاء الأساتذة في تقدير السعادة التي سيشعرون بها، وأشار البروفيسور جيمي غرومان إلى أن المبالغة في تقدير الشعور بالسعادة ناتج عن "التنبؤ العاطفي" الذي يتمثّل في القدرة على التنبؤ بالحالة الوجدانية في المستقبل.

وأوضح غرومان أننا نستطيع معرفة الأشياء التي تجعلنا نشعر بالسعادة في المستقبل، إلا أننا نخفق في التنبؤ بحدة ومدة تأثير هذه الأحداث علينا"، وهو ما يدفعنا في النهاية إلى الشعور بخيبة الأمل.

سعادة دائمة
ووفقا لبن شاهار، فإن النجاح في تحقيق هدف ما في حياتك -سواء كان جائزة أو ترقية أو الحصول على الكثير من الأموال- لا يضمن لك الشعور بالسعادة الدائمة، لأن مقياس السعادة الحقيقي هو العلاقات الاجتماعية و"الأوقات الرائعة التي نقضيها مع الأشخاص الذين نحبهم ونهتم بهم".

الإنسان لا يمكن أن يشعر بالسعادة إذا كان يعيش في ظروف مزرية (بيكسابي) 

ولا ينفي مقياس العلاقات الاجتماعية حقيقة أن المدخول المادي أمر في غاية الأهمية، لأن المرء لا يستطيع أن يشعر بالسعادة إذا كان يعيش في ظروف مزرية، بحسب الدكتور غرومان الذي يضيف أن المال يتوقف عن الارتباط بالشعور بالسعادة بعد تلبية كل الاحتياجات الأساسية، على غرار الغذاء والأمن والسكن.

وأشارت الكاتبة إلى أنه على الرغم من أن العلاقات هي الدافع الأساسي لجعلنا ننعم بالسعادة، فإن الكثيرين لا يولون أهمية كبرى لذلك سعيا لتحقيق النجاح الوظيفي، وهو ما سيؤدي حتما إلى إفساد سعادتهم لأن التركيز على تحقيق النجاح في العمل على حساب العلاقات العائلية قد يجعلنا في النهاية نشعر بالوحدة وعدم الارتياح.

ونبّهت الكاتبة إلى أن الاعتراف بمدى تأثير مغالطة الوصول لا يعني أننا يجب أن نكتفي بحياة بسيطة ومستوى عيش متوسط، فنحن "نحتاج إلى وجود أهداف في حياتنا، كما أننا بحاجة إلى التفكير في المستقبل".

نتائج دراسة
وأظهرت الدراسات أن معدل الوفيات يرتفع بنسبة 2% بين صفوف الرجال الذين يحصلون على التقاعد في سنّهم القانوني الذي يؤهلهم للحصول على الضمان الاجتماعي، بينما يؤدي التقاعد المبكر إلى الوفاة المبكرة حتى بالنسبة للذين يتمتعون بصحة جيدة.

وبيّن غرومان أن السعي للوصول إلى هدف ما يولد فينا الشعور بالرضا هو جزء من معادلة السعادة، في حين أكّد بن شاهار أن الكثيرين قد يعتقدون أن نجاحهم في بلوغ أهدافهم يجعلهم تعساء في حين أن التخطيط للوصول إليها في البداية يبعث في نفوسهم الشعور بالفرح.

وقد يبدو هذا الأمر للوهلة الأولى معضلة، إلا أنه ليس كذلك في الحقيقة، فالمطلوب هو التخطيط بشكل صحيح، لذلك يوصى بوضع أهداف متعددة ومتزامنة في حياتك العملية والشخصية على حد سواء. 

المصدر : نيويورك تايمز