معاذ وأحمد وسارة وزينب.. أربع حكايات لبطولات تلاميذ الشوارع بمصر

معاذ يتكسب من موهبته في الرسم لينفق على تعليمه ويساعد أسرته (الجزيرة)
معاذ يتكسب من موهبته في الرسم لينفق على تعليمه ويساعد أسرته (الجزيرة)

عبد الكريم سليم-القاهرة

يفترش معاذ الأرض قرب محطة المترو بالجيزة، وإلى جواره حقيبته المدرسية، يذاكر بعض دروسه، حتى يأتي "زبون" يطلب من معاذ أن يرسمه. 

يكسب معاذ بعض المال من موهبة الرسم التي يبرع فيها رغم صغر سنه، حيث لا يزال في طور "الإحماء" الإبداعي.  

لا يريد معاذ أن يتحدث عن "ظروفه الخاصة"، لكنه يعترف بأنه يحاول أن ينمي موهبته بالممارسة كهدف أول، ويليه هدف آخر لا يقل أهمية وهو أن يوفر لنفسه نفقات دراسته وموهبته، دون أن يحمّل أسرته مزيدا من الأعباء المالية لتعليمه، "فلديهم ما يكفيهم منها". 

يتحدث معاذ عن مشاكل التعليم، منتقدا صعوبة الحصول على تعليم جيد بغير دروس خصوصية، تلتهم معظم ميزانيات الأسر، لكنه رغم ذلك يرى أن نتائجه الدراسية جيدة. 

يروج معاذ لنفسه أمام المارة عبر تعليق مجموعة من الرسوم الفنية المعبرة عن ملامح مختلفة، ويجتذب بهيئته الطفولية وجلسته البريئة وألوانه ولوحاته البدائية رواد المترو، فيقتربون منه ليعرض عليهم قيامه برسم صورة "بورتريه" لهم. 

لا يضع معاذ ثمنا محددا مقابل رسمه، فهو يقبل أي مبلغ يدفعه الراغب في الرسم، مؤكدا أن "متعته تتحقق من مجرد الرسم، أما المال فالقليل الذي يأتي منه يذهب لتمويل نفقات تعليمه وتنمية موهبته، من شراء أدوات التعليم والرسم.

ويبلغ عدد التلاميذ في مراحل التعليم ما قبل الجامعي نحو 23 مليونا ومئتي ألف تلميذ، وذلك في بلد قال البنك الدولي قبل أيام إن 60% من سكانه فقراء أو مهددون بالفقر.

تأمل زينب أن ينتشلها التعليم من البيع بالشوارع (الجزيرة)

بطولة العلم والعمل
معاذ ليس وحيدا في ما يمكن أن نطلق عليه بطولة الجمع بين العلم والعمل منذ الصغر، ففي الوقت الذي تنتهي فيه امتحانات نهاية العام لمعظم المراحل التعليمية، يستعد العديد من التلاميذ للعمل في الصيف من أجل مساعدة الأسرة، ويستعد آخرون كانوا يعملون أصلا لتكثيف عملهم للغرض نفسه.

زينب تلميذة بالمرحلة الابتدائية تساعد والدتها في بيع المناديل الورقية بشارع الهرم بمحافظة الجيزة، لكنها لا تنسى نصيبها من التعليم، حيث تضع ما تيسر من مناديل ورقية على قفص أمامها وبجوارها حقيبتها المدرسية، لتمسك بالقلم وتبدأ مذاكرة دروسها. 

لا تلح زينب على المارة لبيع بضاعتها، ولا تلقي بالا بمن يأخذ عبوة مناديل ورقية ويضع مكانها ثمنها، فهي منهمكة في القراءة، وتقول إنها تريد أن تحصل على شهادة جامعية، تغنيها في الكبر عن العمل بائعة مناديل ورقية في الشوارع، وهي تتقدم بتفوق نحو هذا الهدف. 

ويُنظر لبائعي المناديل في الإشارات المرورية والشوارع كمتسولين، ومن المعتاد رؤية هؤلاء يلحون على المارة ببضاعتهم طلبا للمال. 

على بعد كيلومترات قليلة من زينب؛ تجلس سارة قرينتها في المرحلة الدراسية الابتدائية، لكنها تفضل بيع الذرة المشوية، فهي مربحة أكثر ولا تستهلك وقتا طويلا، إذ يكون الليل دون النهار هو الوقت المفضل لتناولها من قبل عشاقها. 

وتعمل سارة على شواء الذرة بالتبادل مع والدتها، حتى تذهب الأخيرة وتحضّر الطعام لأخوتها، وتقول سارة إنها توفر بذلك وقتا للتركيز في مذاكرة دروسها نهارا عقب العودة من المدرسة، وكذلك عقب عودة والدتها لاستئناف البيع، فتعود سارة لاستئناف المذاكرة بتركيز، وهي متفوقة رغم ظروفها الصعبة على كثير من قريناتها.

أحمد يأمل الاعتماد على نفسه في التجارة (الجزيرة)

مواجهة الأمية
إذا كنت من مرتادي مناطق وسط القاهرة، فيمكنك أن تلمح أحمد جالسا أمام بضاعته المتنوعة، بعد أن فاته قطار التعليم، فسعى لتعليم نفسه أثناء عمله بائعا بالشارع.

يجلس أحمد إلى منضدة بالشارع تتناثر عليها بضاعة متنوعة لا رابط بينها: أقلام، ومقصات، وبكرات خيوط، وبطاريات لألعاب لم يلعبها أبدا. وقد أتم 16 من عمره، وكان من المفترض أن يكون في الصف الأول الثانوي. 

يمسك أحمد بكتاب المطالعة للمبتدئين، سعيا لتعلم القراءة والكتابة ذاتيا، إذ لا يسمح السعي لأكل العيش بأي وقت سوى للنوم، فلا يتاح التعلم إلا أثناء العمل. 

حصل أحمد على الكتاب من فاعلة خير رأفت بحاله، حينما أرادت شراء منتج موجود على مائدته المتنوعة، واكتشفت أنه لا يجيد القراءة فأخبرته بأنه يجب أن يتعلم لأن العلم سيساعده في تجارته. 

الطريف أن أحمد تردد في قبول الكتاب منها في البداية، خشية أن يكون كتابا سياسيا، حيث يتردد عليه أمناء الشرطة إما للشراء أو مطاردته في حملات البلدية، وينتهي الأمر بغرامة مالية، أما السياسة فسوف تعرضه لمعاملة بلا رحمة كما جرى مع أصدقائه. 

يأمل أحمد أن يتمكن من الاستمرار في التعلم الذاتي، وهو لا يدرك أي أفق يمكن أن يوصله إليه تعليمه، إذ إن أصدقاء له يكبرونه حصلوا على شهادات عليا، ومع ذلك يعملون بائعين متجولين إلى جواره، معربا عن اعتقاده بأنه -بمحو أميته- سيتساوى بأصدقائه الجامعيين. 

وارتفع عدد الأميين بمصر إلى 18.4 مليون فرد عام 2017، بحسب إحصاءات لجهاز التعبئة والإحصاء، وينخفض معدل الأمية بين الشباب في الفئة العمرية من 15-24 سنة، مقارنة بمن تعدوا الستين عاما، حيث بلغ 6.9% للشباب، مقابل 63.4% لكبار السن.

المصدر : الجزيرة