الانتحار الرخيص بمصر.. لماذا لا تُمنع الحبة القاتلة؟

مليغرام واحد من مادة الألومنيوم فوسفيد قادر على قتل طفل عمره 12 عاما (بيكسابي)
مليغرام واحد من مادة الألومنيوم فوسفيد قادر على قتل طفل عمره 12 عاما (بيكسابي)
صفاء علي
 
هند فتاة لم تتجاوز الثامنة عشرة، كانت تسكن مع أسرتها الميسورة الحال في إحدى قرى مركز طلخا بمحافظة الدقهلية المصرية، دق الحب قلبها، ورغم صغر سنها فإن والدها وافق على تزويجها في الحال كما يتم مع معظم فتيات قريتها.
 
تزوجت وكان زوجها دائما ما يشكو من ضيق ذات اليد، ويطالبها بجلب المال من والدها لتسديد ديونه. ومرة بعد أخرى شكل والدها وجهة نظر عن زوجها مفادها أنه طامع بما لديه من أموال، ورفض أن يُعطيها مرة أخرى.
 
ومع كثرة شكوى زوجها ولومها على عدم استطاعتها تدبير المبلغ الذي يريده، ومضايقته لها ونهرها، قررت التخلص من حياتها، فاشترت "حبة الغلة" (مبيد حشري يستخدم في حفظ وتخزين الغلال) وتناولتها لتتوفى بعد ذلك بنصف ساعة.
 
زارتها أمها خلال دقائق حياتها الأخيرة، فحكت لها معاناتها مع زوجها وكيف كان يعاملها بكل قسوة وعنف عندما يرفض والدها إعطاءها المال، وأوصتها بعدم التخلي عن ابنها الصغير وتوسلت إليها ألا تدعه لزوجها.
 
لم يستطع الأطباء إنقاذها، لتموت الشابة تاركة طفلا يبلغ من العمر شهورا معدودة.
 
خلال الأيام الماضية أيضا انتحرت ثلاث فتيات من محافظة البحيرة بالطريقة نفسها، لكنّ ما أحدث الصدمة أن الفتيات الثلاث من أسرة واحدة، وأقدمن على الانتحار بتناول الحبة بسبب خلافات أسرية وانفصال والد إحداهن عن أمها وتزوجه من أخرى، ووجود مشكلات أسرية حادة بين والد ووالدة الضحيتين الأخريين.
 
ما الحبة القاتلة؟
بحسب أحمد حسن، أستاذ الكيمياء الحيوية في إحدى الجامعات المصرية، فإن الغلة هي أقراص تحتوي على مادة الألومنيوم فوسفيد التي ما إن تتعرض للرطوبة حتى تتحول إلى الفوسفين، وهو غاز شديد السُمية. فحوالي ثلاثة مليغرامات من مادة الألومنيوم فوسفيد تُنتج حوالي مليغرام واحد من غاز الفوسفين قادر على قتل طفل عمره 12 عاما.
 
ويحذر أستاذ الكيمياء الحيوية -في حديثه للجزيرة نت- أن "هذه الحبة عبارة عن كرات رمادية إذا وُضعت واحدة منها فقط تحت سُلم عمارة فإنها تكون قادرة على قتل سكانها خلال أسبوع إلى عشرة أيام، نظرا لقدرتها على التبخر السريع في الهواء وإطلاق غازها السام".
لا توجد إحصاءات دقيقة عن عدد المنتحرين بحبوب الغلة في مصر لكنها تشكل ظاهرة (بيكسابي) 
 
وكانت هذه المادة تُستخدم في الماضي في الحروب البيولوجية وفي غرف الإعدام، وتؤدي عند استنشاقها إلى تخثر كرات الدم الحمراء مما يُسبب تجلط الدم ومنع انتقال الأوكسجين إلى أعضاء الجسم والتأثير على أجهزة الجسم جميعها.
 
ورغم كل ذلك، فإنها تباع في محلات البقالة والمبيدات الحشرية في ريف مصر "بجنيه ونصف" فقط، لتحتل المرتبة الأولى كوسيلة للانتحار بين الشباب.
 
ورغم حظر استيرادها في دول عربية عدة من ضمنها السعودية، ووجود بدائل آمنة لتخزين الغلال أيضا، فإن الدولة المصرية ما زالت مُصرّة على استيرادها.
 
ومن المُحزن -بحسب أستاذ الكيمياء الحيوية- أن وزارة الزراعة تكشف عن بيع هذه المادة السامة في 18 مُنتجا بأسماء تجارية مختلفة دون أي محاذير لبيعها، والاكتفاء فقط بعبارة "عالية السمية" المكتوبة على العبوة.
 
تعددت أسباب الانتحار والوسيلة واحدة
ثالوث الحب والفقر والبطالة يُشكل مجمل العوامل الرئيسية لانتحار الشباب في قرى مصر، ويُمثل الانتحار في قرى بعينها ظاهرة تتطلب الدراسة، حتى أن البعض يصفها بـ"الموضة"، مثل مركز الرحمانية بمحافظة البحيرة الذي يُسجل في المتوسط ست حالات انتحار شهريا.
 
وبدأ الأمر في 2015 عندما انتحر شاب بعد رفض أسرته تزويجه بفتاة يحبها، فتناول الحبة وتوفي على الفور، وفي صبيحة اليوم التالي انتحرت الفتاة بنفس الطريقة، وأعاد الكّرة آخرون.
 
أحيانا يستخدم الشباب الحبة كوسيلة تهديد لتحقيق مطلب يريدونه، لكن في النهاية يلقون حتفهم، وفي الغالب لا يتحدث الأهالي عن الأمر ولا يكشفون الأسباب، طبقا لسيكولوجية أهالي الرف، إذ يعتبرونه عيبا في حقهم.
 
تحدثت الجزيرة نت مع فؤاد أحمد والد إسلام (15 عاما) من قرية الرحمانية الذي حاول الانتحار بتناول الحبة لكن تم إسعافه.
 
وقال الوالد "الظروف الاقتصادية هي السبب. إحنا مظلومين في الدنيا. يمكن ألا يأكل أولادي الأربعة إن لم أجد عملا، وأنا أعمل باليومية، ففكر ابني بالانتحار ليريحني من أكلته".
 
وأضاف "أتمنى أن أجد عملا ثابتا لأؤمن ما يسد جوعهم، وأتمنى ألا يفعل ابني ذلك مرة أخرى بسبب العجز والفقر". 
وزارة الزراعة المصرية اكتفت بكتابة تحذير "سام جدا" على العبوة (مواقع التواصل)
 
البحيرة والدقهلية الأعلى
تنتشر ظاهرة الانتحار بين الفتيات والشباب باستخدام "حبوب الغلة" من عمر 15 إلى 25 عاما، ولا سيما بين المراهقين من طلاب المدارس الثانوية والإعدادية في ريف مصر.
 
وتسجل محافظتا البحيرة والدقهلية أعلى نسب الانتحار بسبب الحبة، وهو ما دعا عددا من النشطاء لتدشين حملة "أرواحنا مش رخيصة.. لا لبيع حبة الغلة القاتلة"، وطالبوا مجلس النواب بمنع استيرادها وبيعها بالأسواق، وهي الحملة التي لم تلق أي رد فعل حكومي حتى الآن.
 
ولا توجد إحصائيات دقيقة عن عدد القتلى جراء تناول الحبة القاتلة، وإن كان مركز السموم بكفر الدوار بمحافظة البحيرة قد أعلن أنه تم استقبال ستين حالة انتحار باستخدام الحبة، خلال شهور يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط ومارس/آذار 2019، توفيت منهم 21 شخصا.
 
كما استقبلت مراكز السموم بمركزي كفر الدوار وإيتاي البارود فقط 1374 حالة تسمم إثر تناول حبة الغلة القاتلة، توفي منهم 206 أشخاص تراوحت أعمارهم ما بين 15 و30 عاما من الفتيات والشباب.
المصدر : الجزيرة