المبادرات وحدها لا تكفي.. كيف يتجنب الخليج إهدار الطعام؟

نحو 1.3 مليار طن تهدر سنويا قبل الوصول لمائدة المستهلك (رويترز)
نحو 1.3 مليار طن تهدر سنويا قبل الوصول لمائدة المستهلك (رويترز)

فريدة أحمد

بينما يصل عدد من يعانون من نقص الغذاء والجوع المستمر عالميا إلى 821 مليون شخصا، بحسب بيانات منظمة الأمم المتحدة عن وضع التغذية والأمن في العالم؛ يهدر 30% من الإنتاج العالمي من الأطعمة، أي نحو 1.3 مليار طن، سنويا قبل الوصول لمائدة المستهلك.

كيف يحدث هذا؟ سؤال حاولت منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة (فاو) البحث عن إجاباته، وخلصت إلى أن إهدار تلك الأطعمة في الدول النامية والدول الغنية يرجع إلى "أخطاء في التخزين والنقل، إضافة إلى بعض العادات والتقاليد وحتى الطقوس المرتبطة باستعمال الأطعمة واستهلاكها".

قد يظن البعض أن البلدان النامية تهدر طعاما أقل من الصناعية بالنظر إلى المستوى المعيشي، لكن الأرقام أثبتت غير ذلك، إذ إن كميات الغذاء المبددة هي نفسها تقريبا في الجانبين، حيث يُهدر 630 مليون طن في البلدان النامية و670 مليون طن في الدول المتقدمة، ويصيب معظم هذه الخسائر إنتاج الفواكه والخضراوات، وكذلك الحبوب والمحاصيل الجذرية مثل الجزر والبصل والبطاطس.

الخليج بين الإهدار ونمط الاستهلاك
تحتل دول الخليج النصيب الأكبر بين الدول المهدرة للطعام، فتتصدر السعودية المركز الأول عالميا، طبقا لصحيفة عكاظ السعودية، حيث تصل نسبة الإهدار إلى 30% من الأغذية المنتجة، بقيمة تبلغ نحو 49 مليار ريال (13 مليار دولار)، في حين يصل إجمالي الهدر في الغذاء داخل المملكة إلى نحو 8.3 ملايين طن كل عام.

وطبقا لبيانات الهيئة العامة للإحصاء السعودية، فإن الهدر في السعودية يتجاوز ضعف المعدل العالمي.

المملكة العربية السعودية تحتل المركز الأول عالمياً للدول المهدرة للطعام (رويترز)

على هامش مؤتمر "إطعام الدولي"، الذي عقد في السعودية عام 2017، ظهرت بعض الأرقام التفصيلية لطبيعة إهدار الطعام في المملكة، مثل أن كمية الهدر في الخبز والمعجنات وصلت إلى 35%، وفي الأرز المستورد 30%، وبلغ الفاقد في أسواق الخضراوات بالرياض وحدها خمسة أطنان يوميا.

يحدث الهدر في الخليج بسبب "العادات والتقاليد الاجتماعية التي تتحكم في أنماط الاستهلاك، حيث تقام الولائم والمبالغات الغذائية في المناسبات الاجتماعية المختلفة، وحتى دون مناسبات أحيانا، وتهدر -في السعودية فقط- في تلك الولائم 90% من المواد الغذائية"، طبقا لدراسة أجريت في قسم الاقتصاد الزراعي بجامعة الملك سعود.

كمية الهدر في الخبز والمعجنات وصلت إلى 35% في السعودية (الأناضول)

لا يقتصر الوضع على السعودية فقط، إذ تتكبد الإمارات العربية المتحدة خسائر مالية بسبب هدر الغذاء، تصل إلى 13 مليار درهم (3.5 مليارات دولار) سنويا تقريبا، وهو مبلغ يكفي لشراء نحو 3.27 ملايين طن من المواد الغذائية المنتجة والمستوردة، بحسب تقديرات بنك الإمارات للطعام.

وتنضم الكويت إلى القائمة بإهدار نحو مليون و528 طنا سنويا، طبقا للبيانات الصادرة عن إدارة شؤون البيئة، حيث قُدر حجم نفايات الفرد سنويا بنحو 364 كيلوغراما.

لماذا يُهدر الطعام؟
وفقا لمنظمة الفاو، فإن ثلث الطعام يُهدر في المنطقة العربية وشمال أفريقيا، تلك المنطقة التي تعتمد على الواردات لتلبية أكثر من نصف احتياجاتها الرئيسية من الغذاء، لذا فإن الحد من ظاهرة هدر الطعام تعتبر مسألة حيوية للمنطقة، حيث إن احتمالات زيادة إنتاجهم من الغذاء أمر محدود للغاية، فلماذا في الأساس يهدرون الطعام؟

ثلث الطعام يُهدر في المنطقة العربية وشمال أفريقيا بحسب منظمة الفاو (رويترز)

تتعدد وتختلف أسباب هدر الطعام في العالم أجمع، لكن النتيجة المؤكدة أن مليارات الأطنان من المواد الغذائية، والتي تعادل كمياتها نصف المواد الغذائية التي تنتج عالميا، تُلقى في القمامة، وفقا لتقرير بريطاني صادر عن "مؤسسة المهندسين الميكانيكيين"، الذي أورد عددا من الأسباب، ومنها:

  • بعض المواد الغذائية تكون عرضة للتلف بسبب سوء التخزين.

  • الصرامة في الالتزام بموعد الصلاحية.

  • عروض بيع الجملة.

  • عادات الاستهلاك السيئة وترّفع بعض المستهلكين عن الشراء بسبب شكل المنتج.

مبادرات فردية وحكومية
سابقا كان الهدف من الحد من ظاهرة هدر الطعام إنسانيا بالدرجة الأولى، وهو توفير ذلك الطعام لصالح الجوعى، لكن الوضع أصبح خطيرا بسبب الضغط الشديد على الموارد الطبيعية وآثار التغير المناخي، حيث تؤكد "الفاو" تراجع قدرة البشر على إطعام أنفسهم في المستقبل.

الأمر الذي أثار القلق في نفوس كثيرين، ودعا البعض لإطلاق مبادرات فردية لمواجهة تلك الظاهرة في معظم الدول، ومن بينها مبادرة "ري فوود" في الكويت، و"صحن مشعل" في السعودية.

 الفاو تؤكد تراجع قدرة البشر على إطعام أنفسهم في المستقبل (غيتي)

وانتبهت الحكومات في تلك الدول، بالتوازي مع التحركات الفردية، إلى ضرورة التدخل المباشر للحد من الإسراف في الطعام، سواء كان ذلك من خلال مبادرات وتوعية أو من خلال سن قوانين وعقوبات.

بادرت وزارة التعليم السعودية بحملة "حتى لا تزول النعم"، وتعاونت وزارة العمل والتنمية الاجتماعية مع وزارة البيئة وجمعيتي "إطعام" و"سكينة" الخيريتين، لوضع نظام للاستفادة من أكثر من 34% من الطعام في البلاد، ويشترط النظام التنسيق مع إحدى الجمعيات الحاصلة على ترخيص، لضمان توزيع الفائض من الولائم. كما تدخل مجلس الشورى السعودي، وأصدر توصية تلزم الجهات المعنية بسن قوانين لمكافحة التبذير ومعاقبة المبذرين بفرض غرامات مالية.

وفي الكويت، أطلق بنك الطعام الكويتي بالتعاون مع مؤسسات حكومية ومدنية حملة "بوقفكم تدوم النعم" تستهدف نشر ثقافة المحافظة على النعمة وإعادة تدويرها، من خلال تخصيص حاويات لجمع الفائض الجيد وتقديمه للمحتاجين، وغير الجيد للطيور والحيوانات.

وفي الإمارات، يعمل "بنك الإمارات للطعام" منذ إطلاقه عام 2017 بهدف جمع فائض الطعام وتوزيعه على المحتاجين وتقليل هدر الطعام.

المستهلك.. صمام أمان
يحدث "الفقد" خلال عدة مراحل؛ منها ما قبل الحصاد، مثل تفشي الآفات، أو مشاكل في الحصاد أو المناولة أو التخزين أو التعبئة أو النقل، طبقا للفاو.

لكن العنصر الأهم الذي بدونه لن تنجح المبادرات في تحقيق هدفها هو المستهلك، الذي يعد عنصرا رئيسيا في دائرة الاستهلاك.

المبادرات لن تنجح في تحقيق هدفها إلا برفع وعي المستهلك (الجزيرة)

جولي فرير، المتحدثة باسم الجمعية البلجيكية للدفاع عن حقوق المستهلك، تعرض عددا من النصائح للمستهلك للحد من هذه النفايات:

1- تجنب الشراء دفعة واحدة في الأسواق الكبيرة، ولا تذهب للتسوق دون قائمة لتثبيت الاحتياجات ومحاولة الالتزام بها.

2- عند شراء المنتجات الطازجة كاللحوم تناولها في مساء اليوم نفسه أو في اليوم التالي، فلا جدوى من شراء منتج تاريخ استهلاكه بعيد.

3- لا ترفض الخضار أو الفاكهة التي فيها عيوب صغيرة أو شكل غريب؛ فهي صالحة أيضا ويمكن تناولها.

4- من الأفضل دائما انتقاء المنتجات بنفسك لتتمكن من شراء الكمية التي تحتاج إليها.

5- عند الوصول إلى المنزل، لا بد من تنظيم الثلاجة. مثلاً، يجب وضع اللحوم والأسماك في أبرد مكان، فهذا يساعد على الاحتفاظ بها.

6- عند طهي الطعام في المنزل -وإذا كنت واثقا من أنك لن تتمكن من تناول البقايا في اليوم التالي- عليك تجميدها على الفور.

7- يجب عدم خلط تواريخ الاستهلاك. بإمكانك استخدام البسكويت حتى بعد انتهاء التاريخ المحدد.

8- وأنت في المطعم لا تترك بقايا الطعام ولا تتردد في طلبها.

9- عند تنظيم حفل، حاول أن تعطي بقايا الطعام إلى منظمة خيرية.

المصدر : الجزيرة