رغم ارتفاع درجات الحرارة.. مهن شاقة يصر أصحابها على صيام رمضان بمصر

أحد مصانع وورش الرخام بشق الثعبان في جنوب العاصمة (الجزيرة)
أحد مصانع وورش الرخام بشق الثعبان في جنوب العاصمة (الجزيرة)

محمد العربي-القاهرة

يعمل الشاب عبد الله حماد بصناعة الرخام منذ أكثر من عشر سنوات، قضاها بين مصانع وورش هذه المهنة الشاقة في منطقة شق الثعبان (جنوب القاهرة).

لا يُخفي في حديثه للجزيرة نت عشقه لشهر رمضان، لأنه على حد وصفه يمنحه الفرصة بأن يأخذ أجر الصيام وأجرا إضافيا لصبره على مشقة العمل، كما أخبره الشيخ محمود الصعيدي بداية عمله بهذا المجال، وكان عمره وقتها لا يزيد على 14 عاما.

ويتذكر حماد أول رمضان مر عليه وهو بأحد مصانع شق الثعبان، في حضن جبل المقطم، وقد كاد أن يُفطر في نهار رمضان لمشقة العمل وحرارة الجو ولحداثة عمره كذلك، إلا الشيخ عدد له وقتها مميزات الصيام مع العمل، وأن المسلمين انتصروا في غزوة بدر وكانوا صائمين، كما انتصر المصريون في حرب العاشر من رمضان (السادس من أكتوبر/تشرين الأول 1973) وهم صائمون أيضا.

ويضيف أنه منذ ذلك الوقت وهو يحافظ على الصيام مهما كانت حرارة الجو أو مشقة العمل الذي يقوم به، موضحا أنه ليس حالة فريدة، حيث يشاركه في ذلك الكثير من الشباب بل والشيوخ العاملون بهذه المهنة الشاقة، إلا أنه يؤكد أيضا أن هناك نسبة كبيرة من العاملين بمهنته يفضلون الإفطار عن الصيام.

ويعتبر حماد أن فكرة المقدرة على الصيام من عدمها -في مهنته وغيرها من المهن الشاقة- يرجع في الأساس إلى التربية الأولى التي نشأ عليها وسط أهله، والذين زرعوا في نفسه وهو صغير أهمية الصيام باعتباره أحد الأركان الخمسة للإسلام، بالإضافة لزملائه بالعمل، لأنهم عندما يكونوا صائمين يدعمون بعضهم بعضا، ولكن لو كان من بينهم مفطرون فإنهم يحاولون دفع غيرهم للإفطار، حتى يبرروا لأنفسهم بأنهم ليسوا وحدهم الذين لم يتحملوا مشقة الصيام مع العمل، وهو ما سماه حماد "العزيمة".

متى نصوم إذن؟!
ويتفق مع حماد زميله كرم الصفاوي الذي يعمل بنفس المهنة، منذ أن كان طالبا بمراحل التعليم الثانوي، موضحا للجزيرة نت أن مهنته من حيث المشقة تنقسم لثلاثة أقسام، أقلهم جهدا هم المحاسبون والموظفون بالمكاتب، بالإضافة لفئة العتالين والشيالين بالمعارض والورش، أما الفئة الأكثر مشقة فهم العاملون بالمصانع في بطن الجبل.

ويشير الصفاوي إلى أنه استمع لفتاوى عديدة تجيز الإفطار لأصحاب المهن الشاقة، ولكنه عندما فكر فيها وجد أنه يعمل طوال العام بنفس المهنة، وبالتالي إذا لم يصم في رمضان فلن يصوم في غيره من الشهور، فقرر في النهاية أن يصوم مهما كانت الضغوط والمشقة التي يتعرض لها.

عم سعيد لا يرى داعي للإفطار في رمضان (الجزيرة)

من أمام النار
ومن أمام فرن المخبز يعتبر عم سعيد (كما فضل أن نناديه) صيامه بنهار رمضان وهو أمام الفرن بالأمر الطبيعي، فهو ليس مريضا أو غير قادر على الصيام، كما أن التكنولوجيا الحديثة خففت كثيرا من شدة الحر التي كانوا يعانون منها في المخابز البلدي (كانت تعمل بحرق الأخشاب والمازوت).

ويضيف عم سعيد للجزيرة نت أنهم يعملون بشكل أساسي في الفترة من بعد العصر وحتى المغرب، ثم من بعد العشاء إلى الفجر، ثم من بعد الفجر وحتى الساعات الأولي من النهار، أما ساعات الحر والتي تبدأ من السابعة صباحا وحتى الرابعة عصرا فإنهم يحصلون فيها على الراحة.

وبطريقة مشابهة يقسم مقاول الإنشاءات عثمان البدري عماله في رمضان لدوامين، الأول وهو الأساسي يبدأ من بعد الإفطار وحتى الفجر، والثاني من بعد الفجر وحتى الساعة 12 ظهرا، ويأخذ العمال راحة من الظهر وحتى الإفطار.

ويشير المقاول في حديثه للجزيرة نت إلى أن معظم العاملين معه يصومون، ولا يلجؤون للفتاوى التي تجيز لهم الإفطار، أما الذين يفطرون فلا يعنيهم وجود فتاوى أو غيرها، لأنهم في الأساس لم يعتادوا على الصيام.

وحسب البدري، فإنهم لا يتبعون نظاما غذائيا معينا، فما يأكلونه في الأيام العادية يأكلونه برمضان مع زيادة السوائل والعصائر، لتمنحهم طاقة خلال الصيام، مشيرا إلى أن هذه المهن لا يعمل فيها المرضى، أو الذين لا يتمتعون بصحة جيدة، سواء في رمضان أو غيره.

رغم أن البناء واحدة من المهن الشاقة يفضل أصحابها الصيام (الجزيرة)

فتوى بالإفطار
ويعمل بمصر مئات آلاف من العمال في مهن شاقة تتنوع بين الإنشاءات وأعمال المخابز والنقل الثقيل إضافة لعمال المحاجر والجبال والمزارع، وقد طرح العديد منهم تساؤلات عن حكم إفطارهم بنهار رمضان، خاصة مع موجات الحر التي أصبحت معتادة.

وهي التساؤلات التي أجابت عنها دار الإفتاء المصرية بفتوى متلفزة للشيخ مجدي عاشور (أمين الفتوى بدار الإفتاء) أكد فيها جواز الإفطار لأصحاب هذه المهن الشاقة، كالمزارعين والحمالين والبنائين، الذين يقدمون جهوداً ضخمة في عملهم الذي يعتبر مصدر رزقهم الوحيد.

واشترطت الفتوى أن يكون هذا العمل الشاق مصدر رزق الشخص ولا يستطيع التخلي عنه في نهار رمضان، لحاجته أو لحاجة من يعول، فإن كان لا يتسنى للمكلف تأجيل عمله الشاق لما بعد رمضان، أو جعله في لياليه، فإن الصيام لا يجب عليه في أيام رمضان التي يحتاج فيها إلى أن يعمل هذا العمل الشاق في نهاره، لكونه يحتاج إليه لنفقة نفسه أو نفقة من عليه نفقتهم، كعمل البنائين والحمالين وأمثالهم، وخاصة من يعملون في الحر الشديد، أو لساعات طويلة.

المصدر : الجزيرة