بوابيري غزة برمضان.. نكهة الماضي وتراث لا يندثر

يحافظ المعصوابي على مهنة "البوابيري" التي يعمل فيها منذ 52 عامًا (الجزيرة)
يحافظ المعصوابي على مهنة "البوابيري" التي يعمل فيها منذ 52 عامًا (الجزيرة)
علا موسى-غزة

داخل سوق حي الشجاعية بقطاع غزة وبين الدكاكين القديمة فيه، يسمع كل صباح صوت ضرب المطرقة على السندان الحديدي بين أصوات الباعة، يقودك ذلك الصوت لدكان صغيرة يعمل فيه رجل ستيني، ينقلك إلى الماضي القديم في بعض الأدوات المنزلية النحاسية القديمة، هو البوابيري يحيى المعصوابي، الذي لم يترك مهنته رغم اندثارها.

يحافظ المعصوابي على مهنة "البوابيري" التي يعمل فيها منذ 52 عاما، وتنشط في شهر رمضان بعكس الأشهر الأخرى، لأن الناس يقبلون عليه لإصلاح بعض "البوابير"، خاصة الأسر الفقيرة التي لا تستطيع دفع ثمن أسطوانة الغاز التي يبلغ ثمنها في غزة 18 دولار، وبالنسبة لهم "البابور" أرخص ثمنا، وهم يخلطون الغاز بالملح ليطيل مدة إشعال النار.

يعرف الجميع العم "أبو ماهر المعصوابي" كمعلم تاريخي للسوق الذي يعتبر من أقدم الأسواق التاريخية في مدينة غزة القديمة، ويجمع في دكانه الصغيرة المئات من البوابير القديمة وبعض الأدوات النحاسية القديمة.


الجميع يعرف العم "أبو ماهر المعصوابي" كمعلم تاريخي للسوق (الجزيرة)

يبلغ يحيى خليل المعصوابي 68 عاما، مجال عمله في إصلاح البوابير إلى جانب إصلاح الأدوات النحاسية.

أورث جده المهنة لوالده خليل ثم وصلت إليه، وكان جده من أشهر بوابيري مدينة المجدل المحتلة عام 1948، وعند الهجرة افتتح والده المحل الصغير.

مهنة العائلة الوراثية
كان يعمل في محل المعصوابي الحالي عاملين رفقة والده بعد النكبة الفلسطينية، وكان محلهم في حي الشجاعية يحظى بصيت كبير، حيث كان البابور الأداة الأساسية لإشعال النار وطهي الطعام، ثم توجه ليتعلمها من والده، ومنذ 52 عاما لم يترك المحل.

يعمل المعصوابي في لحام الأواني النحاسية والقصديرية والألومنيوم وبعض صبابات القهوة الكبيرة وسن السكاكين وإصلاح الأواني القديمة النحاسية التي يحتفظ بها أصحابها كزينة وتراث فلسطيني قديم.

 

يعمل المعصوابي في لحام الأواني النحاسية والقصديرية والألومنيوم (الجزيرة)


يزداد الإقبال على محل المعصوابي شهر رمضان، لأن العائلات تأتيه من مناطق عديدة داخل مدينة غزة لإصلاح بوابيرهم، لخبرته الطويلة وصيته الذائع وأسعاره المعتدلة، فتبلغ تكلفة إصلاح كل بابور ما بين 1.5 إلى 2.5 دولار، وهو مبلغ متوسط بالنسبة للأسر الفقيرة باستطاعتهم تأمينه.

يقول المعصوابي "في الفترة ما بين الخمسينيات والسبعينيات، كان البابور الأداة الرئيسية لدى المنازل في غزة، وأذكر في شهر رمضان كنا نحضر خمسة عمال لتغطية حاجة الزبائن، لكن اليوم تكاد تكون اندثرت ولا تنشط إلا في بعض الأيام في رمضان عند الأسر الفقيرة، أما باقي الأيام يمكن أن أصلح ما بين اثنين وثلاث في الأسبوع فقط".

البوابير في رمضان
ويضيف "يأتي الناس في رمضان لإصلاح البابور المليء بالغبار من الداخل أو به انسداد المجرى، جميعهم من الفقراء، يضعون مع الجاز ملح لكي يطيل مدة حرقه، وهذه طريقة قديمة اعتاد عليها آباؤنا، ذلك لأن البابور يوضع فيه لتر جاز بقيمة دولار ونصف وقليل من الملح، ليكفي الأسرة مدة أسبوع، لأنهم يريدون أن يعيشوا أجواء رمضان في طهي الطعام بأقل تكلفة عبر البابور".

ونتيجة التطور التكنولوجي وانتشار أنواع البوتجاز وإسطوانات الغاز الذي فضله الناس بالاستخدام والطهي، بدأت مهنة البوابيري تتراجع مطلع ثمانينيات القرن الماضي كما كان يلاحظ، لكنه رغب في الحفاظ عليها من الاندثار لارتباطها بالتراث الفلسطيني، خاصة أنها المهنة التي عاش منها وأجداده منذ النكبة الفلسطينية إلى الآن.

وتابع المعصوابي "بدأت هذه المهنة وأنا في السابعة عشر من عمري، كل حياتي فيها، أعمل اليوم في إصلاح النحاسيات ولحم بعض الأباريق النحاسية القديمة وأدوات أخرى إلى جانب بعض البوابير القليلة، لا أتخيل أنني أترك تلك المهنة، هي أسلوب حياة بالنسبة لي".

يذكر المعصوابي الأنواع القديمة للبوابير التي كانت تباع في الأسواق الشعبية الفلسطينية، مثل البابور المصري والسوري وأخرى أجنبية مثل البرتغالي والألماني والسويدي، وكان أفضلها الألماني والسويدي.

نشطت مهنته في خلال بداية سنوات الحصار الإسرائيلي على غزة عام 2006، إذ كان الناس يتوجهون له لإصلاح بعض البوابير القديمة، في ظل انقطاع الغاز عن مدينة غزة وإغلاق المعابر، ونشطت حركة الزبائن عليه أكثر خلال العدوان الإسرائيلي الأول على غزة عام 2008.

للمعصوابي ستة أبناء وخمس بنات، جميعهم متزوجون عدا واحد وهو طالب جامعي لكنه لا يدرس نتيجة عدم استطاعته تأمين الرسوم الدراسية الجامعية، وجميعهم رفضوا تعلم المهنة، لأنهم يلاحظون الرزق القليل الذي يعود على والدهم منها، وهو يرد عليهم أنه عمل تراثي فلسطيني قديم، وحفاظه على تلك المهنة له أبعاد وطنية فلسطينية.

المصدر : الجزيرة