عـاجـل: مراسل الجزيرة: أعضاء مجلس السيادة السوداني يؤدون اليمين الدستورية

المندرة والنوقارة.. ما تبقى من طقوس رمضان في صعيد مصر

جانب من موائد رمضان في صعيد مصر (مواقع التواصل)
جانب من موائد رمضان في صعيد مصر (مواقع التواصل)

صفاء علي

يبقى صعيد مصر بكل صفاته يحمل تاريخا وخصائص تميزه عن باقي أرجاء المحروسة، ويبقى بئرا لأسرار عدة تميز مصر بجنوبها وحضارتها، وفي رمضان تشتم روائح الشهر الكريم بكل ركن من أركان الصعيد، خاصة أنه معقل الطرق الصوفية المختلفة، كما ميزته الأكلات الخاصة التي لا توجد سوى في مدن وقرى ونجوع الصعيد.

رائحة الكنافة البلدية فوق صاجات أفران الطين، ومقارئ خاصة أخرجت أكبر المنشدين كانت من العلامات المميزة للشهر الكريم، وما زال الصعيد يحمل هذا التاريخ وإن كانت هناك بعض العادات التي اندثرت.

زينة وكنافة وثأر مؤجل
عادة الثأر ممنوعة وما زالت داخل الصعيد في رمضان، ويلاحق العار من يقدم على ذلك، وقبل رمضان بأسبوع على الأقل كان الناس يصنعون صاج وكوب الكنافة، حيث لم تكن أفران الكنافة الآلية قد ظهرت بعد، وكان أفراد الأسرة يجتمعون حول أفران الطين لتصنيع الكنافة المنزلية بأنفسهم.

وفى أول ليلة من رمضان ترسل كل أسرة ما يطلق عليه "عشاء" لكل بناتها المتزوجات، كما تتلقى كل فتاة مخطوبة الهدايا والعشاء من خطيبها وأسرته، ويتكون هذا العشاء من اللحوم والخضروات والفاكهة والبقوليات بكل أنواعها، بالإضافة إلى مبلغ من المال، وهي من العادات التي ما زالت منتشرة حتى الآن.

مدفع رمضان يصنعه الأطفال
وقت الغروب يتجمهر أهل القرى أمام مركز الشرطة لمشاهدة المدفع الرمضاني، وهناك يجلسون ليشاهدوا طقوس إطلاق المدفع، وما إن ينطلق حتى يصفقوا ويهللوا وينطلقوا إلى بيوتهم لتناول طعام الإفطار.

مدفع رمضان الذي يصنعه أطفال الصعيد (مواقع التواصل الاجتماعي)

أما مدفع رمضان للأطفال فكانت له حكاية أخرى مستقلة، بحسب الكاتب الصحفي خالد الدخيل الذي يحكي للجزيرة نت كيف كان الأطفال يصنعونه، فيقول:

"كنا في الأغلب نصنعه في ورش الحدادة باستخدام مسامير حديدية كبيرة يتم ثقبها، وتوضع داخل الثقب كمية من رؤوس أعواد الثقاب، ومع أذان المغرب نقوم بضرب المسمار في مكان صلب لينفجر محدثا صوتا عاليا، ونقف جميعا بالقرب من المسجد في انتظار هذه اللحظة السعيدة لتتوالى الفرقعات وتنتشر رائحة الثقاب المحترق".

وكباقي مصر، كان الجميع يستعدون لرمضان بتعليق الزينة المصنوعة يدويا من الورق والبلاستيك والفوانيس، وفي الستينيات كانت تلون بألوان علم مصر، حيث كانت الدولة في حالة حرب.

ويسرد الدخيل عددا من ذكرياته عن رمضان للجزيرة نت فيقول إنه ومثل أغلب شوارع وحواري المناطق الشعبية في مصر كان شارعنا يتزين بـ"البيارق"، ويتنافس الصغار في اختيار أزهى الألوان وأكبر كمية من عقود البيارق بطول الشارع، مع صنع الفوانيس المصنوعة من جريد النخل، والملفوفة بورق ضف شفاف، لتتم إضاءتها لمدة 30 يوما هي أيام الشهر الكريم.

"المندرة" لقراءة القرآن بعد صلاة التراويح
في القرية كان لكل أسرة "مندرة" أو "دوار" تمتلكه العائلة بالكامل، وهو مجهز بالكنب ووسائل الراحة وتقام فيه المناسبات المختلفة، سواء الحزينة أو السعيدة، وفي شهر رمضان تقسم الليالي بين أفراد العائلة، والأسرة المتميزة دائما تأخذ الأسبوع الأخير.

وبحسب الدخيل، كان يقال إن بيت فلان عليهم سهرة الليلة، حيث يتم التنافس على الاستعانة بأشهر المقرئين في القرية أو المركز أو المدينة حسب الحالة المادية للأسرة، وتبدأ السهرة بعد صلاة التراويح حتى قبل السحور، ويتم تناول المشروبات المختلفة، وتختتم بوجبة السحور التي تتحمل تكلفتها وإعدادها الأسرة المضيفة.

وبحسب الباحث وسيم عفيفي، فإنه من الصعب التوصل لأول مرة بدأت فيها ليالي تلاوة القرآن داخل "الدوار"، لكن أقدم ذكر لهذه العادة يمكن استنباطه من كتاب "رحلة بن جبير"، حيث يشير إلى أن دخول الصعايدة للأزهر في أواخر العصر المملوكي والعهد العثماني، وتشبع شيوخ الصعيد بعادات المحروسة خلق نسيجا دينيا في الصعيد مع الكتاتيب التي كانت هي أساس كل شيء في رمضان.

وظهرت عادة قراءة القرآن في الليالي الرمضانية بشكل كبير داخل مدارس مدينة قوص في محافظة قنا، والتي احتوت على 16 مدرسة توافد عليها قراء المغرب والجزائر الذين ساهموا في تعريف محفظي القرآن بالصعيد لعلوم القراءات، وما زالت عادة تلاوة القرآن في دور العائلات موجودة لكنها أوشكت على الاندثار مع تقدم وسائل الاتصال.

لا وجود لموائد الرحمن
ولم تكن في الصعيد قديما "موائد الرحمن" ربما بسبب الترابط الاجتماعي الكبير، خاصة في القرى، كما أن الكثير من الناس وقتها سيخجلون من الظهور كفقراء محتاجين مهما بلغ فقرهم، أما الآن فإن تلك الموائد انتشرت، ربما بسبب غياب الترابط القديم، ويرى الكاتب الصحفي خالد الدخيل أن معظم عادات الصعيد الرمضانية قد اختفت بسبب "الحداثة" وإن كان بعضها يقاوم الاندثار.

لم تكن في الصعيد قديما "موائد الرحمن" بسبب الترابط الاجتماعي (مواقع التواصل الاجتماعي)

"النوقارة"
في كتابها "الناس في صعيد مصر.. العادات والتقاليد" أشارت الباحثة الإنجليزية وينفرد بلاكمان إلى عادة "النوقارة" التي تتلخص في وضع طبول على الجمال للاحتفال بشهر رمضان في موكب يشبه زفة المحمل المكي بالقاهرة، وكان يشرف على هذه الزفة رجال الطرق الصوفية وتتقدمها الخيول والجمال المزدانة بالأقمشة الملونة، ويضم الموكب الآلاف، في حين تقوم السيدات بالزغاريد وإلقاء الحلوى على الموكب.

وينتهي حفل النوقارة أمام أقرب قسم شرطة فيه مدفع رمضان مع أذان المغرب، وما زالت تلك العادة موجودة حتى الآن وإن كانت على استحياء.

المصدر : الجزيرة