سائقو المسافات الطويلة في الجزائر.. مشقة وإفطار رمضاني في البرية

مصطفى يصل إلى بيته بعد رحلة دامت ثلاثة أيام في البرية (الجزيرة)
مصطفى يصل إلى بيته بعد رحلة دامت ثلاثة أيام في البرية (الجزيرة)

 سلمى حراز-الجزائر

في ليل الصحراء الموحش ونهارها الملتهب وحيث لا أنس إلا بضوء النجوم وأصوات حيوانات البرية، وبعيدا عن حضن العائلة بأكثر من 1700 كلم، يترقب مصطفى حجاب مغيب الشمس وراء الشفق، وشاحنته تطوي الطريق الرملية قاطعة مساحات شاسعة غير مأهولة في عمق الصحراء الجزائرية الكبرى، تحت حرارة تقارب 50 درجة في ذروة شهر الصيام.

يقول حجاب للجزيرة نت، وهو سائق شاحنة وزن ثقيل في ميناء الجزائر العاصمة، وأنا أستوقفه قرب بيته عند عودته بعد ثلاثة أيام قضاها في البرية، "عندما تسير في طرق مقفرة لا تلمح فيها إنسانا، وأنت تتذكر أن العائلة مجتمعة الآن حول مائدة الإفطار في شهر رمضان، ينتابك شعور بالقهر، وفجأة تنزل رحمة الله في شكل فاعلي خير يلوحون للشاحنة حتى تتوقف من أجل تناول وجبة الإفطار فيبدو المشهد مثل السراب، لا تتأكد من حقيقته إلا وأنت تروي ظمأك بكوب ماء بارد".

مصطفى سيتعد لرحلة جديدة (الجزيرة)

لا تغير في نظام العمل في رمضان
بالنسبة لحجاب، الرجل البالغ خمسين عاما والمقيم بضواحي العاصمة، لا يتغير نظام العمل في رمضان عنه في باقي شهور وأيام السنة، حيث ينطلق بشاحنته فجرا لنقل القمح إلى شركات المطاحن في مختلف ولايات الجزائر.

لكن المشقة تتضاعف عندما يقطع مسافات طويلة خاصة في الصحراء، بالنظر إلى أن شاحنته غير مكيفة وتفتقر لأدنى شروط الراحة، لكنها "الخُبزة" يقول حجاب، بمعنى لقمة العيش في اللهجة المحلية.

يضيف المتحدث للجزيرة نت "مقصورة الشاحنة هي منزلي الذي أعرف تفاصيله أكثر من بيتي العائلي، رافقتني في ظروف قاسية وأخرى سعيدة، ولن أكون جاحدا بإنكار فضلها علي".

ويعترف حجاب بأن الجلوس خلف المقود لساعات طويلة وعدم التوقف أحيانا لأكثر من 200 أو حتى 300 كيلومتر، أمر متعب للغاية ويتضاعف في رمضان، حيث يصوم الجزائريون هذه السنة أطول مدة في الوطن العربي بـ16 ساعة، مردفا "تتحول الشاحنة إلى صفيح ملتهب متحرك، وتكاد تصل دلاء الماء التي أقوم بتخزينها إلى درجة الغليان، لا تنفعني حتى لأُبلل ثيابي لمواجهة الحرّ مثلما تعودت أن أفعل".

الصديقان مصطفى ورابح جمعتهما وحشة الطريق (الجزيرة)

أبواب الرحمة والعناية الإلهية
وجاب حجاب بشاحنته جُل مناطق الجزائر بمساحتها الشاسعة التي تتجاوز المليوني كيلومتر مربع، من شرقها إلى غربها، ومن جنوبها إلى شمالها، لكن تبقى القيادة في الصحراء الأكثر صعوبة، وهو الذي ووصل إلى منطقة تيغنتورين في ولاية أليزي على بعد 1758 كلم عن العاصمة، وتمنراست على بعد 1981 كلم جنوب الجزائر العاصمة، وغيرها من المدن الصحراوية.

ووسط الطرقات البعيدة، أكثر ما يخيف مصطفى والسائقين أمثاله أن تتعرض الشاحنة إلى عطب، "وهذا كثيرا ما يحدث، ليلا أو نهارا، وفي أماكن قد لا يمر منها بشر إلا بعد ساعات أو يوم كامل، لكن العناية الإلهية تنقذني في كل مرة".

ويتقاسم حجاب مع رفاقه السائقين الذين جمعته بهم فجاج العمل في كثير من الأحيان وجبة الإفطار الباردة أو وجبة ساخنة يحضرونها معا، ويجلسون ليتسامروا حول كوب شاي أو قهوة لمواصلة الطريق، لكن في كثير من الأحيان لا يلتقي بأحد لمسافات طويلة.

يضيف محدثنا "قد تمضي ساعات وأنت وحدك، صائم وظمآن ومنهك، لتلمح من بعيد موائد إفطار عابري السبيل.. صدقيني يقشعر بدني وتغالبني الدموع في كل مرة أمر فيها بهذا الموقف.. هي أبواب الرحمة تُفتح".

وبعيدا عن متاعب الصيام ومشقة الطريق، ما يرهق حجاب في العمل برمضان هو كثرة حوادث المرور بسبب تهوّر السائقين والغضب الذي يسيطر على الأغلبية، "لهذا للقيادة في الفراغ أحيانا إيجابيتها خاصة وأن السرقات وخطر قطاع الطرق تقل في شهر رمضان"، يقول حجاب.

مصطفى: الطريق علمتني أن لقمة الواحد يأكلها اثنان (الجزيرة)

الإفطار بعيدا عن العائلة
ولأن حجاب يشعر أكثر من غيره بصعوبة الإفطار بعيدا عن العائلة في شهر رمضان، كثيرا ما يستقبل عند عودته إلى بيته أحد رفاقه السائقين الذين يقطنون في مدن بعيدة، ليقاسمهم إفطاره، مثلما يفعل معه غيره من السائقين في مدن أخرى، معلقا "الطريق علمتني أن لقمة الواحد يأكلها اثنان".

حينما التقينا حجاب كان برفقة صديقه رابح شريف البالغ من العمر 41 سنة، والأخير كان عائدا أيضا من رحلة دامت ثلاثة أيام، ويقطن بعيدا عن الجزائر العاصمة.

يقول شريف، الذي بدا أكثر خجلا من رفيقه، للجزيرة نت "لعل من إيجابيات القيادة للمسافات الطويلة التعرف على أصدقاء جدد تجمعك بهم الدروب المُقفرة، ووحدتهم المشقة والشوق إلى لقاء العائلة، خاصة في رمضان، وحده الاجتماع بهم مع أذان المغرب حول وجبة ولو كانت باردة تنسينا وحشة الطريق".

شاحنته غير مكيفة ولا مجهزة بوسائل الرائحة لكنه يعشق الجلوس خلف مقودها (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة