الغبقات الرمضانية بقطر.. تراث متجدد في ظلال الحداثة

القطريون يحرصون على إقامة الغبقات في المجالس (الجزيرة نت)
القطريون يحرصون على إقامة الغبقات في المجالس (الجزيرة نت)

محمد السيد-الدوحة

تستمد الأمم هويتها من تراثها المتجدد في أذهان أبنائها، وأصالتها الحاضرة في قلب التاريخ، ولدولة قطر تراث عريق مختلف الأشكال يظهر في العادات والتقاليد التي يتوارثها الأبناء عن الآباء، ومنها الغبقة.

ومع تطور الحياة، وانتقال الأسر من الفرجان (الأحياء) القديمة إلى المناطق الأكثر عمرانا، تغيرت موروثات شعبية وتقاليد كان يحرص عليها القطريون، ومن بينها "غبقة رمضان"، تلك العادة التي كانت تميز الشهر الفضيل في قطر ومختلف دول الخليج.

الغبقة ذلك التقليد الجميل الذي كان يشعر أبناء "الفريج" بأنهم أسرة واحدة، لم تقف ساكنة مع تغير الزمن، إنما تطورت لتقام في فنادق الخمس نجوم بدل الفرجان والمجالس، ولتحتوي على مختلف الأطعمة الحديثة التي طغت على التقليدية.

ويعتبر القطري محمد المهندي أن الغبقة الرمضانية تقليد قطري اجتماعي متأصل ومتوارث من الآباء والأجداد جيلا بعد جيل، مشيرا إلى أنها تحمل معاني كثيرة تسهم في تعزيز التعارف والترابط الاجتماعي، والمحافظة على الطابع التراثي من خلال العادات والتقاليد التي تسودها هذه الغبقات.

الأطعمة الحديثة طغت على التقليدية (الجزيرة نت)

التمسك بالعادات والتقاليد سمة القطريين، والغبقة إحدى هذه العادات، ويعود أصلها إلى مطلع القرن العشرين، لكن أهل قطر يزيد اهتمامهم بالعادات والموروثات كلما تقادم الزمن، خاصة أن تلك العادة ترتبط بشهر رمضان المبارك، الذي يحرصون على أداء مناسكه والحفاظ على تقاليده الشعبية التي توارثوها من آبائهم وأجدادهم.

الوجبة الرئيسية
ويقول المهندي للجزيرة نت إن الغبقة هي الوجبة الرئيسية التي تؤكل بعد صلاة التراويح، إذ يتجمع أهل الفريج كل يوم في منزل أحدهم لتناولها، في تجمعات خاصة للنساء وأخرى للرجال، معتبرا أن أهمية الغبقة كانت في التجمع وروح المودة بين الجميع والترابط الاجتماعي وتبادل الحديث.

ويضيف أن النساء قديما في الفريج حرصن على التجمع قبل رمضان المبارك في أحد المنازل لتحضير المكونات الأساسية للغبقات، التي كانت تحتاج إلى جهد وتعب كبيرين، وتعتمد بصورة رئيسية على وجبات لمحمر والثريد والهريس.

واشتهرت الغبقات قديما بعدد من المأكولات، أهمها وجبة "لمحمر" والمكونة من الأرز المطبوخ بخلاصة التمر، والسمك الصافي المقلي، و"الثريد" وهو خبز مفتوت ولحم ومرق، و"الهريس" وهو القمح المغلي المهروس أو المطحون مع اللحم، لكنها صارت في الوقت الراهن أكثر تنوعا، ودخلت عليها الأطباق الغربية والحلويات المحلية والشرقية والغربية.

أفخم القاعات في الفنادق تخصص لاستضافة الغبقات الرمضانية (الجزيرة نت)

وتقام الغبقات غالبا بين الساعة 11 ليلا والثانية صباحا، بحيث يسهل على المدعوين تلبية الدعوة، ويلتزم القطريون عند إحياء الغبقة في المجالس بارتداء اللباس التقليدي وإبراز النواحي التراثية في الغبقة، رغم التطور الذي شهدته سواء على مستوى التنظيم أو الأطعمة.

ويري المهندي (65 عاما) أن الغبقات اليوم باتت مثل الوجبات العادية بعدما فقدت الكثير من صفاتها المتوارثة والمتمثلة في الترابط الاجتماعي والأسري، وتحولت إلى نوع من الوجاهة والتفاخر، بعدما انتقلت الغبقات من المجالس والفرجان إلى فنادق الخمس نجوم وأفخم الخيم الرمضانية، فضلا عن أن الأطعمة الحديثة والشامية طغت على التقليدية.

خيام رمضانية
وخلال السنوات الأخيرة، اهتمت الفنادق والخيام الرمضانية في قطر بهذا التقليد الرمضاني، وباتت الغبقات موجودة في الفنادق والخيام الرمضانية، إذ وجدت الشركات والهيئات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني فيها فرصة لتعزيز علاقات منتسبيها، وكسر الهوة بين المسؤولين والعاملين في جلسات حميمة بعيدا عن أجواء العمل.

ويشدد القطري حمد الراشد على أنه رغم التطور الكبير الذي نشهده هذه الأيام، فإن كثيرا من القطريين حريصون على إقامة الغبقات الرمضانية، ذلك التقليد المتوارث أبا عن جد، وذلك من خلال إقامتها في المجالس وبالأطعمة التقليدية نفسها وسط تجمع الأهل والأصدقاء.

الخيم الرمضانية حلت بدل المجالس في استضافة الغبقات (الجزيرة نت)

ويقول الراشد للجزيرة نت إن أهم ما يميز شهر رمضان في قطر هو تجمع العائلات في هذه الأيام المباركة، حيث يعود المسافر إلى الوطن للاستمتاع بالطقوس الرمضانية التقليدية التي ما زال يحرص كثيرون على إحيائها، ومنها تبادل الزيارات العائلية ومع الجيران والمعارف، فضلا عن تناول المأكولات الرمضانية ومن أبرزها الهريس، الثريد، والساقو، واللقيمات.

ويصف اتجاه بعض المؤسسات الحكومية والشركات الخاصة إلى إقامة الغبقات الرمضانية لمنتسبيها بالمبادرات التي تحيي روح شهر رمضان الفضيل، وتعمل على زيادة الترابط والتراحم في العمل، الأمر الذي سيعود بالنفع على الإنتاجية سواء في المؤسسات أو الشركات، وبالتالي خدمة وطننا الحبيب قطر.

ولم يقف تحول الغبقة الرمضانية عند الفنادق والخيم الرمضانية، بل تعداه ليشمل ممارسات ومبادرات أخرى، حيث دشنت المؤسسة العامة للحي الثقافي (كتارا) ضمن فعالياتها لشهر رمضان المبارك هذا العام فعالية "غبقة في سيارة"، حيث يستطيع الزائر وهو جالس في سيارته تناول تشكيلات متنوعة من المأكولات الشعبية في محاكاة للتقاليد القطرية القديمة.

المصدر : الجزيرة
كلمات مفتاحية: