عـاجـل: المجلس الأعلى للدولة في ليبيا: حفتر والدول الداعمة له يرغبون في عودة الإرهاب إلى مدينة سرت

أبو طبيلة.. تقليد رمضاني عراقي يقاوم الحداثة والاندثار

الشاب أحمد: "رغم صغر سني اقوم بمهمة المسحرجي لإيقاظ الناس، وهذا طقس نحبه بشهر رمضان (الجزيرة)
الشاب أحمد: "رغم صغر سني اقوم بمهمة المسحرجي لإيقاظ الناس، وهذا طقس نحبه بشهر رمضان (الجزيرة)

علاء كولي-ذي قار

كل عام من شهر رمضان المبارك، يستعد أحمد ناصر (20 عاماً) هو وأصدقاؤه على العودة من جديد والمواصلة في قرع الطبول وقت السحور خلال الشهر الفضيل، وإيقاظ الناس، في جولة مسائية طويلة يمر بها عبر الأزقة والشوارع والأحياء السكنية، وهو يصيح بصوته "سحور".

وأصر أحمد على أن يقوم بمهمة مسحراتي أو مسحرجي أو أبو طبيلة، كما يطلق عليه محليا بهذه التسميات المتعددة، على الرغم من البدائل الموجودة وتطور الحياة وبقاء الناس لساعات متأخرة من الليل ووجود المقاهي والمطاعم حتى أذان الفجر.

"رغم صغر سني، أجد نفسي أنني أقدم شيئا إيجابيا لمدينتي وأنا أقوم بمهمة المسحرجي لإيقاظ الناس، وهذا بالنسبة لي طقس وجزء مهم وعادة نحبها مع قدوم شهر رمضان، بل ننتظرها بشغف، ولا نسعى للمال، بل هو عمل تطوعي تعلمتها من جاري الحاج عباس حيث نجوب من خلاله الأزقة والأحياء السكنية قبيل الإمساك لإشعار الناس بوقت السحور" يقول أحمد للجزيرة نت.

وخلال السنوات الماضية، بدأت عادة المسحراتي بالانحسار بشكل ملحوظ، بسبب طبيعة الحياة المتغيرة ودخول التكنولوجيا والوسائل الحديثة، وللظروف الجوية التي تشهد ارتفاعا بدرجات الحرارة، مما يضطر الناس للخروج في الليل للمقاهي والمجالس والدواوين أو ممارسة الرياضة لساعات بعيدا عن أجواء المنازل التي تكون حارة. 

 يظل للمسحراتي بهجة خاصة رغم دخول التكنولوجيا والوسائل الحديثة (مواقع التواصل)

التاريخ
ليس هناك تاريخ محدد لاستعمال الطبل في إيقاظ الصائمين، بيد أن قرع الطبول احتفاءً بقدوم شهر رمضان أمر معروف منذ القدم، وقد ورد ذكره في رحلة ابن جبير (614 هـ-1217م) كما يقول للجزيرة نت الباحث والأكاديمي د. كاظم القاضي.

ويضيف القاضي أن مهنة المسحراتي ظهرت في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ومارسها بلال بن رباح الذي كان يجوب شوارع وأزقة المدينة المنورة لإيقاظ الناس بصوته الرخيم، وتطورت هذه المهنة بعد ذلك في أساليبها وأدخلت الطبول والآلات الموسيقية في أداء المسحراتي.

 وكان أهل بغداد -كما يؤكد القاضي- يؤدون الإنشاد مصحوبا بنوع خاص من الشعر يسمى (القوما) عرف بهذا الاسم لأن المسحراتي يقول في ختام هذا الشعر "قوما للسحور". ويقال إن الخليفة العباسي الناصر لدين الله أوكل شخصا لإيقاظه وقت السحور يدعى أبو نقطة، وقد أعجب الخليفة بسلامة ذوقه ولطف إشاراته وهو يردد وقت السحور "يا نياما قوما.. قوما للسحور قوما".

وفي إشارات تاريخية أخرى، قيل إن المسحراتي قد ظهر في عهد الدولة الفاطمية في مصر، وكان الجنود يتولون الأمر، بعدها تم تعيين رجل أًصبح يعرف فيما بعد المسحراتي كان يحمل طبلا كبيرا ويطرق عليه، ويقول "يا أهل الله قوموا تسحروا".

ولاحقا انتقلت العادة الرمضانية للعراق سنة 1300، وبقيت محصورة في المدن الكبيرة، ثم بمرور الوقت وصلت القرى والأرياف.

وقديماً كان المسحّراتي لا يأخذ أجره، بل ينتظر حتى أول أيام العيد فيمر بالمنازل ومعه طبلته المعهودة، فيوالي الضّرب على طبلته نهار العيد فيهب له النّاس بالمال والهدايا والحلويّات ويبادلونه عبارات التّهنئة بالعيد السّعيد.

وأما اليوم، فالهدايا والأموال التي يهبها الناس للمسحراتي تكون بالعادة قبل حلول عيد الفطر، حيث يأتي المسحراتي الأيام الأخيرة من شهر رمضان يدق بطبلته لإشعار الناس بنهاية الشهر، ونهاية عمله، ليقدموا له بعض الأموال والهدايا. 

اندثار
حتى لسنوات قليلة لم تكن لعادة المسحراتي أن يكتب لها الانحسار بهذا الشكل، فقد شهدت بعض مناطق محافظة ذي قار غياب المسحرجي الذي يجوب المناطق، فقد اختفى تماما عن المشهد وظل الناس يعتمدون بشكل كبير على وسائل حديثة في الاستيقاظ، أو عدم النوم حتى أذان الفجر، كما يقول المواطن مصطفى عادل للجزيرة نت.

ويضيف: تفاجأت قبل عدة أيام وأنا أسمع صوت المسحراتي خلال زيارتي لمركز المدينة وهو يدق بالطبل، منذ سنوات وأنا لم أشاهد أبو طبيلة، ظننت أنه قد اختفى من باقي المدن أيضا، وكان هناك سابقا أشخاص محددون ومعروفون في المدينة لقرع الطبول وقت السحور، لكنهم لم يورثوها لأبنائهم فاندثرت في مدينته الصغيرة التي تقع في الجنوب من مركز المحافظة. 

انتظار
وعلى الرغم من الفوضى والآلات الكثيرة التي يجلبها المسحراتي اليوم، تقول ساهرة محمد، وهي ربة بيت (42 عاماً) إنها تحب صوت قرع الطبول الذي يأتي به المسحراتي بالقرب من زقاق بيتها، فهي لا تزال على الطريقة القديمة التي كانت قبل سنوات طويلة تنتظر وقت مرور أبو طبيلة.

وتضطر المواطنة هي وأولادها لانتظار أبو طبيلة، كل يوم تقريبا، فرغم أنهم لا ينامون في الليل لكن أطفالها ينتظرون بلهفة قارع الطبول حينما يمر بالزقاق الخاص بهم، كي يستمتع الأطفال بمشهد المسحراتي.

ويمثل وجود المسحراتي -كما تروي ساهرة- مظهرا خاصا برمضان، فأيام زمان وحتى اليوم يشكل جزءا من الموروث الذي اعتاد الناس على رؤيته دائما في هذا الشهر الفضيل، على الرغم من وسائل الحداثة التي اجتاحت حياة الناس. 

وتتفق ساهرة مع أحمد على حب وإحياء هذه العادة المتوارثة منذ مئات السنين، ولا تزال ذكريات المسحرجي تمثل موروثا عراقيا قديما يعطي انطباعا دينيا وتراثيا لشهر رمضان في المدن الجنوبية.

المصدر : الجزيرة