قصة "النمام".. فانوس رمضان بين التاريخ الفرعوني والفاطمي

ترجع البداية الحقيقية لاستخدام الفوانيس في رمضان إلى زمن الفاطميين (بيكسابي)
ترجع البداية الحقيقية لاستخدام الفوانيس في رمضان إلى زمن الفاطميين (بيكسابي)

صفاء علي

الحكاية أكثر من مجرد فانوس، فهو تقليد مصري قديم منذ العصر الفرعوني، وكان يُستخدم عندما يتم الإعلان عن فيضان النيل، وإن اختلف شكله مع مرور السنوات، فصنع يدويا من النحاس أو الحديد أو البرونز أو الصفيح، ومن الخشب أيضا بزخارف على الطراز الإسلامي ليكون معلما رئيسيا من معالم شهر رمضان.

ارتبط وجوده بالعديد من الحرف اليدوية المنتشرة بالأحياء الشعبية في مصر، مثل العتبة والسيدة زينب والموسكي، التي صبغته بمظهر خاص جعله منافسا لغزو نظيره الصيني، ليصبح أحد المظاهر الشعبية الأصلية وكذا في العالم العربي، وإن بقي تاريخه مجهولا.

تاريخ وروايات
الفانوس في حد ذاته موجود منذ صدر الإسلام، حيث كان يستخدم في الإضاءة ليلا لإنارة الطرقات والمساجد، وعرف إغريقيا بـ "فانوس" وعند الساميين بـ "فناس". لكن استخدامه عند العرب عرف باسم "النمام" كما ذكر ذلك الفيروز أبادي في كتابه القاموس المحيط.

ويقول الباحث وسيم عفيفي للجزيرة نت إن العرب أطلقوا عليه "النمام" ظنا أن استخدامه ليلا لدى البعض كان بغرض التلصص.

ويرجع البداية الحقيقية لاستخدامه إلى زمن الفاطميين بثلاث روايات مختلفة، في الأولى قيل إن الخليفة الفاطمي كان يخرج إلى الشوارع ليلة الرؤية ليستطلع هلال رمضان، وكان الأطفال يخرجون معه ليضيئوا له الطريق وفي يد كل واحد "فانوس".

وفي رواية أخرى ذهب البعض إلى أن أحد الخلفاء الفاطميين أراد أن يُضئ شوارع القاهرة طوال ليالي رمضان، فأمر كل شيوخ المساجد بتعليق فوانيس تتم إضاءتها عن طريق شموع توضع بداخلها.

وتقول القصة الثالثة إنه لم يكن يُسمح للنساء في العصر الفاطمي بترك بيوتهن إلا في شهر رمضان، وكان يسبقهن غلام يحمل فانوساً لتنبيه الرجال بوجود سيدة في الطريق لكي يبتعدوا، وبهذا الشكل كانت النساء تستمتعن بالخروج وفى نفس الوقت لا يراهن الرجال.

وبعد أن أصبح للسيدات حرية الخروج في أي وقت، ظل الناس متمسكين بتقليد الفانوس، حيث يحملون الفوانيس ويمشون في الشوارع ويغنون.

بصمة فرعونية

العرب أطلقوا على الفانوس النمام ظنا أن استخدامه بغرض التلصص (مواقع التواصل)

كما ارتبط فانوس رمضان بعدد من الأغنيات أهمها "وحوي يا وحوي" وهي تُعتبر الأشهر والأقدم في تاريخ أغاني رمضان على الإطلاق ويبلغ عمرها ثمانين عاما، وقدمت لأول مرة سنة 1937، بكلمات محمد حلمي المانسترلي وألحان وغناء أحمد عبد القادر.

ثم أُعيد غناؤها مرة أخرى بكلمات فتحي قورة وألحان أحمد صبري وغناء هيام يونس في فيلم "قلبي على ولدي" إنتاج سنة 1953، ليتم غناؤها للمرة الثالثة والأخيرة عام 2009 بكلمات نبيل خلف وألحان وليد سعد وغناء محمد منير.

وبحسب عفيفي، فإن التنوع في الألحان والكلمات والمغنين لا ينفي حقيقة أن عمر تلك الكلمات أقدم من شهر رمضان نفسه، وتعود معاني الجملة إلى العصر الفرعوني من خلال "واح وي إيوح" وكانت تعني الترحيب بالملكة الفرعونية "إياح حتب" نهاية الأسرة 17، وكانت ابنة الملكة تيتي شيري وسانخت رع أحمس، وربما كانت أخت وزوجة الملك سقنن رع تا عا الثاني.

وتعني وحوي الترحيب، وإيوحا مشتق من أياح حتب ويعني ذلك القمر، أي مرحباً بالقمر.

ويضيف عفيفي أن البصمة القديمة في أغاني رمضان عند الفراعنة لم تتوقف، بل امتدت أيضاً لتشمل أغنية "حالو يا حالو" التي ظهرت مطلع إعلان الجمهورية المصرية مع صوت المغنية اللبنانية صباح.

لكن الأصل أقدم أيضاً حيث يتردد أن كلمة "حالو" قبطية صعيدية تعني الشيخ الجد، وهي متكررة في تعاليم الرهبان الصعايدة من خلال الجملة المشهورة في كتب سير القديسين، حيث ورد بنص "أوسون جانا وحاللو جابا يود"، وترجمتها "سأل أخ جد عن ولد أبيه".

ووفقا للدكتور وسيم السيسي (عالم المصريات) فكلمة "صاو" تعني يمتنع، وحرف الميم يعني "عن" وكلها تعني يمتنع عن، وكان القدماء يصومون ثلاثين يوما من طلوع الفجر حتى غياب الشمس، وكانوا يمتنعون عن النساء طوال الشهر، وكانوا يستقبلونه كما نستقبله نحن الآن بـ "وحوي يا وحوي إيوحا" ووحوي من واح أي لاح أي ظهر، ويوحا هو ملاك القمر، أي اظهر أيها القمر.

وكان الشهر ينتهي بعيد عظيم جدا اسمه "شي شلام ربة" ربة يعني كبير باللغة القديمة، وجاء منها ربة المنزل، شلام تعني السلام، شي تعني القدر و"شي شلام ربة" تعني ليلة القدر الكبيرة أو عيد السلام الكبير، وهو يومان بينهما ليلة تقدر فيها الأرزاق والأعمار وغيرهم، بحسب التاريخ المصري القديم.

المصدر : الجزيرة