بالجري والكتابة الأدبية والسعادة.. صحفي جزائري يتحدى داء السرطان

خالد بوداوي: الحياة قصيرة إما أن تعيشها ضاحكا سعيدا أو باكيا تعيسا (الجزيرة)
خالد بوداوي: الحياة قصيرة إما أن تعيشها ضاحكا سعيدا أو باكيا تعيسا (الجزيرة)

إسلام عبد الحي-الجزائر

"لن تعيش أكثر من أربعة أشهر" بسبب داء السرطان. ماذا ستفعل إذا أخبرك الطبيب بهذا الخبر المفجع؟

في سبتمبر/أيلول 2012، زار الصحفي الجزائري خالد بوداوي الطبيب في وهران ( 400 كلم غرب العاصمة الجزائرية) لمواصلة العلاج ضد داء السرطان، لكن هذه المرة كان حديث الطبيب مختلفا عن المرات السابقة منذ سنة 2010 التي بدأ فيها العلاج، حيث أخبره بدنو أجله، ولم يبق له سوى أربعة أشهر.

بدأ يفقد الأمل
يقول بوداوي (39 سنة) للجزيرة نت "في اللحظة التي أخبرني فيها الطبيب بقرب أجلي لم أستوعب الأمر، لكن بعد خروجي من المستشفى فكرت كيف سأخبر عائلتي الكبيرة وخاصة زوجتي التي لم يمر على زواجنا إلا القليل".

يبدو أن الحقيقة التي يؤمن بها كل البشر هي الموت، ورغم هذا الإجماع فإن وقوعه لا يزال حدثا مزلزلا على كل النفوس.

لم يستسلم للموت وبدأ رحلته لتحدي داء السرطان، وانتقل إلى فرنسا والأمل يحذوه في الشفاء، حدّد له موعد في مستشفى بباريس، وبعد أن فحصته طبيبة مختصة أخبرته بأن الداء في مرحلة متقدمة ولا يمكنها أن تفعل له شيئا.

وعن تلك اللحظة يقول للجزيرة نت إنه أصيب بفشل رهيب، وبدأ يفقد الأمل.

وعاد له أمل الشفاء
وبعد أيام تنقل إلى مستشفى آخر في مرسيليا جنوب فرنسا، لما أخبره الدكتور إيف فرانسيس باكتشاف طريقة جديدة لمعالجة داء السرطان، تكلف المريض أربعين ألف أورو.

المبلغ كبير ولا يمكن لبوداوي دفعه مرة واحدة، وهنا يكشف المريض أنه اتفق مع الطبيب على دفع تكلفة العلاج في شكل أقساط.

بوداوي خلال مشاركته في ماراثون باريس بفرنسا (الجزيرة)

تحدي الماراثون
"أنا أعالج من داء السرطان منذ سنوات، ولن يهزمني" يقول بوداوي الذي بدأ أول تحد للداء بممارسة الرياضة عملا بنصيحة طبيبه، ثم قطع وعدا على نفسه في حالة تحسن لياقته البدنية "بالمشاركة في ماراثون وتأليف كتاب".

جرى أول مرة ثلاثمئة متر أنهكته كثيرا، ثم واصل التمارين الرياضية المرافقة للعلاج الكيميائي، حتى شارك في نصف ماراثون مرسيليا (20 كلم) وبعدها شارك في العديد من الماراثونات منها ماراثون باريس (42 كلم).

يقول بوداوي "إن الحياة قصيرة، إما أن تعيشها ضاحكا سعيدا أو باكيا تعيسا، أنا قررت أن أعيشها مسرورا".

السرطان غير مسار حياتي (الجزيرة)

تحدي الكتابة
تحدى وضعه الصحي بالدخول في مغامرة الجري للتغلب على داء السرطان، وفاز بالرهان، ثم تحداه بالمغامرة في الكتابة الأدبية باللغة الفرنسية، وصدرت أول رواية له في آخر يوم من فبراير/شباط الماضي، تحت عنوان "العيش في الأنا المزدوج".

وعن الهدف الذي دفعه للكتابة يقول بوداوي للجزيرة نت "أريد أن أبين للقارئ أنه ليس من الصعب رفع التحديات مهما كانت صعبة، كما قررت أن أترك أثرا لأبنائي وزوجتي وعائلتي وكل أحبابي".

يحمل شهادة ليسانس في العلوم الاجتماعية من جامعة وهران بالعاصمة الجزائرية. يقول عن نفسه "أنا صحفي معرب، لم أكن أفرق بين المذكر والمؤنث، وبين زمن الماضي والحاضر في اللغة الفرنسية، تكونت باللغة العربية وكتبت بها نصوصا وأشعارا ومسرحيات، تعلمت الفرنسية في سرير المستشفى بالمطالعة ومساعدة الأصدقاء".

يعتبر هذا الصحفي أن داء السرطان كان مفيدا له، لأنه غير مسار حياته، ودفعه إلى مراجعة الكثير من القناعات والأفكار الثابتة، ورفع التحديات مهما كانت الصعاب.

غلاف رواية "العيش في الأنا المزدوج" (الجزيرة)

العيش في الأنا المزدوج
بلغة لم يكن يتقن آلياتها، لكنه يتقن المغامرة والتحدي، ألّف أول رواية اختار لها عنوان "العيش في الأنا المزدوج" تحكي هذه الرواية في 274 صفحة حياة "أمين-كريستوف" من أب جزائري وأم فرنسية، خلال أربعينيات القرن الماضي، وعيشه بهويتين بين المستعمر والمحتل.

تبدأ الرواية بمساءلات الهوية عند "أمين-توف" عندما كان في العاشرة من عمره، وسأل أمه بعد عودتها من القداس: هل أنا مسلم أم مسيحي؟ لتجيبه: إنك عندما تكبر تفرق بين الخير والشر. ونشأ منسجما مع نفسه.

لكنه كلما تقدم به العمر اتسعت "الأحكام التمييزية" التي تلاحقه من نسب والديه، وازدادت أزمته حدة مع اندلاع الثورة التحريرية سنة 1954، وبعد الاستقلال انتقل مع والدته إلى فرنسا، لكنه وجد رفضا وتمييزا من المجتمع الفرنسي كون والده جزائريا، وعاد إلى الجزائر ليجد نفس الإشكال كون أمه فرنسية، مما اضطره إلى السفر إلى دولة خليجية للعمل في مؤسسة بترولية، وفي ذلك البلد أحسّ بهويته الجزائرية.

طرح الرواية لمسألة الهوية رافقه تنقل الكاتب بين أحياء وأزقة مدينتي وهران (الجزائر) ومرسيليا (فرنسا) يصور عمرانهما ويبرز تاريخهما.

واجه الكاتب "استخفاف" ناشرين زائرين لما عرض عليهم طبع روايته، مما اضطره لطبعها ونشرها في فرنسا، حيث تعاقد مع دار النشر "Nombre 7".

يوقع روايته (الجزيرة)

رواية ثانية ومبادرة خيرة
كشف بوداوي للجزيرة نت أنه يشتغل على تأليف ثاني رواية له، كما يسعى لتنظيم مبادرة خيرة لمرضى السرطان، وذلك بالجري بين الولايات وجمع التبرعات المالية لفائدة المرضى.

المصدر : الجزيرة