مقابلات المدارس في مصر تكشف الوجه القبيح للطبقية

مستقبل الأطفال مرهون بالحالة المادية للأسرة (بيكسابي)
مستقبل الأطفال مرهون بالحالة المادية للأسرة (بيكسابي)

فريدة أحمد

تعبر مصر هذه الأيام موجة قلق موسمية تضرب عائلات الشريحة العليا من الطبقة المتوسطة التي ترغب وتملك القدرة المادية على إلحاق أطفالها بمدارس التعليم الدولي، لكن خطط هذه العائلات لمستقبل أبنائها مهددة بالفشل حتى قبل أن تبدأ.

وتحت دعوى قلة المقاعد المتاحة تضع المدارس الدولية اختبارات التحاق متعددة وغير معلنة أمام أطفال تتراوح أعمارهم بين 3 و4 سنوات، كما تخضع الوالدين لاختبارات أخرى غرضها الأساسي الكشف عن وضعهما المادي والاجتماعي وأسلوب حياتهما، وفي النهاية تخبرهما بنتيجة الاختبار دون أي معلومات عن حيثيات الرفض أو القبول، وليس أمامهما إلا الخضوع لفكرة أن مستقبل صغيرهما ربما أثر في تشكيله عدد السيارات التي يمتلكانها.

"ما هو النادي الاجتماعي الذي تشترك فيه الأسرة؟ ما هي الدول التي سافرت إليها الأسرة لقضاء عطلاتها خارج مصر؟" أمثلة لأسئلة واجهتها دينا سليم أثناء تعبئة استمارة إلحاق ابنتها بإحدى مدارس اللغات.

تقول دينا "تكررت نفس الأسئلة في المقابلة الشخصية، أخبرتهم ثانية أننا غير مشتركين في ناد، وأننا لم نسافر خارج مصر، لكنني لاحظت أنني أضع تبريرات لذلك، فأخذت أحدثهم عن تدربها على السباحة والبالية في أكبر المدارس المتخصصة، وأننا نقضي عطلتنا في أفضل المنتجعات داخل مصر، وكيف أن تكلفة رحلاتنا الداخلية تعادل وقد تزيد على عطلات خارج مصر".

لكن المدرسة لم تقبل أوراق ابنتها "رغم أنها أجابت عن كل الأسئلة بامتياز"، ولم تسأل الأم عن السبب لأنها كانت تعرفه.

‪المقابلات تعرض الطفل والأسرة لضغط نفسي كبير‬ (بيكسابي)

عدد سيارات الأسرة
استعدت سارة شريف للمقابلة في إحدى المدارس الدولية التي كانت تحلم بإلحاق طفلها الأول فيها، كانت إجاباتها جاهزة عن الأسئلة المتوقعة، مثل أسلوب التربية المتبع مع طفلتها، والحضانة التي ذهبت إليها، ولم تجد ضيرا في السؤال عن دخل الأسرة والمناطق السياحية التي زاروها.

لكنها فوجئت بأسئلة ذات نزعة طبقية صارخة، على حد تعبيرها، موضحة "سألوني: ما هي الماركات المفضلة لديك عند شراء ملابسك؟ كم سيارة تمتلكها الأسرة؟ ما نوع موديلات السيارات لدى الأسرة"، فلم يكن أمامها سوى الانسحاب من المقابلة ورفض ملء الاستمارة.

وتعلق سارة قائلة "شعرت بضيق شديد وتوتر، كنت أعرف مسبقا عن مقابلات المدارس لكنني لم أتصور أنها بتلك العنصرية والطبقية، كنت أعلم جيدا أنني أشتري مستوى تعليميا ومستعدة لدفع من 50 إلى 70 ألف جنيه (2888 إلى 4043 دولارا) في مدرسة دولية، وهو رقم ليس مبالغا فيه في المدارس الدولية التي تتجاوز مصروفات بعضها 200 ألف جنيه سنويا، لكنني في نفس الوقت لا أقبل أن تتعلم ابنتي في مجتمع عنصري يسعى لتكريس المظاهر والتفرقة الطبقية".

ضغط عصبي 
تتفق أغلب أسئلة المقابلة في المدارس على أن يكون الطفل على دراية كاملة بالأرقام والحروف والألوان وكذلك أسماء الحيوانات والطيور، فضلا عن الأسئلة الشخصية والهوايات المفضلة له، وإذا كانت مدرسة لغات فإن يجيب الطفل عن تلك الأسئلة باللغة الخاصة بالمدرسة، سواء إنجليزية أو فرنسية، مع ترجمة بعض الكلمات.

وتبدو المقابلة المدرسية أمرا ضروريا من أجل التعرف على الطفل ومعرفة نقاط تميزه من خلال أسئلة عامة عن ألعابه المفضلة وأغانيه، دون الإثقال عليه بأسئلة تعليمية، بحسب ناهد محمد مديرة مدرسة سابقا ووكيلة في وزارة التربية والتعليم بالمعاش.

وتقول ناهد إنه لا يعقل تربويا أن يوضع طفل في عمر 4 سنوات تحت ضغط عصبي لسؤاله عن الأرقام والألوان ومعلومات أخرى بلغة أجنبية.

المدارس الحكومية تنافس الدولية في المصروفات
يعتبر اجتياز تلك المقابلات الضمانة الوحيدة حتى يحصل الطفل على فرصة تعليم جيدة، ويبدأ الإنفاق منذ لحظة دخول المدرسة لعمل مقابلة للطفل الذي يلتحق بمرحلة الحضانة "كيه جي وان"، حيث يبدأ ثمن استمارة طلب الالتحاق للمدرسة من 200 جنيه ويتجاوز الـ1000 جنيه، بحسب مستوى المدرسة.

ويوافق الكثيرون من أفراد الطبقة المتوسطة على دفع آلاف الجنيهات لتوفير مستوى تعليم جيد لأبنائهم اعتقادا منهم أن ذلك هو الاستثمار الحقيقي، خاصة أن البديل هو المدارس الحكومية المجانية التي تحظى بسمعة غير طيبة، بدءا من الفصول المتواضعة وعدد التلاميذ الذي يتجاوز الـ70 تلميذا في فصل واحد، إضافة إلى المعلمين والمناهج التعليمية المتواضعة.

‪أولياء أمور يطالبون بإلغاء مقابلات المدارس‬ (بيكسابي)

أبناء المطلقات محرومون
الحفاظ على المظهر الاجتماعي دفع العديد من المدارس إلى رفض قبول أبناء المطلقات فيها، في بلد وصلت حالات الطلاق إلى مليون حالة بواقع حالة واحدة كل دقيقتين ونصف، حسب بيانات مركز معلومات رئاسة الوزراء.

وفي إحدى مجموعات فيسبوك تحكي إحدى الأمهات أن طفلها حصل على إشادة من المعلمة التي أجرت المقابلة معه، لكن تم رفضه من قبل المدرسة، وبعد إلحاح الأم على معرفة السبب أجابتها المديرة "لأنك ووالده مطلقان، وهو ما يتسبب في مشاكل".

الضغط النفسي والاستعلاء الطبقي اللذان يظهران من خلال المقابلات دفعا عددا من مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي إلى إطلاق هاشتاغ بعنوان "لا لمقابلات المدارس" تزامنا مع فتح باب التقديم للمدارس منذ 4 أشهر، لرفض خضوع أبنائهم لمقابلات قاسية لا يتحملها الأطفال وأولياء الأمور على حد سواء.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة