المسموطة.. أكلة سومرية يتمسك بها العراقيون

المسموطة في سوق السمك (الجزيرة نت)
المسموطة في سوق السمك (الجزيرة نت)

علاء كولي-ذي قار

لا تزال المسموطة الأكلةَ المفضلة لدى سكان جنوبي العراق عامة، وفي محافظة ذي قار خاصة، إذ جرت العادة على أن يقدم الناس هذه الوجبة في الأعياد، حيث يمكن للقادمين إلى هذه المدينة، أن يشموا رائحتها تفوح من المنازل والبيوت وتنساب عبر الأزقة والشوارع، في مشهد لا يتكرر كثيرا إلا مرات معدودة خلال العام.

ويتعدى مفهوم المسموطة من كونها أكلة تقليدية يفضلها الناس في الأعياد على وجه الخصوص، لتكون جزءا من حياة السكان، إذ لا تزال تحظى بالاهتمام الواسع على مدار السنة، رغم التطور والأكلات الحديثة التي دخلت إلى المطبخ العراقي منذ سنوات عديدة.

وتمثل هذه الأكلة جزءًا من تراث هذه المدينة التي ترتبط ذاكرتها بحضارة بلاد الرافدين القديمة، حيث توارث السكان طريقة إعداد وطبخ هذه الأكلة منذ آلاف السنين دون أن يطرأ عليها شيء، لكنها تشهد اضمحلالا في بعض المدن، واقتصر حضورها على عيد الأضحى وعيد الفطر، بدلا من أيام الجمع والعطل كما جرت العادة في سنوات سابقة.

وعلى الرغم من شهرتها وتداول اسمها في الكثير من المدن والمحافظات العراقية، فإنها بقيت تحافظ على بصمتها وطريقة إعدادها الخاصة في موطنها الأصلي، بلاد سومر.

أحد الباعة في سوق السمك يعرض بضاعته في ذي قار (الجزيرة نت)

طقس خاص
يحرص علي الشيال، وهو ناشط وشاعر من ذي قار، على الذهاب إلى مناطق الأهوار في كل عيد لأكل المسموطة مع عائلته، حيث يعتبرها الأكلة المحببة للفقراء والمساكين، وهي امتداد لتراث الآباء والأجداد لدى سكان الأهوار، بحسب ما قال للجزيرة نت.

ويقول الشيال، وهو المولود في الأهوار وأحد عشاق المسموطة، سابقا لم تكن هناك ثلاجات لحفظ السمك، فكانوا يجففونه بتعريضه للشمس، كما أن تسميتها بهذا الاسم جاءت من كونها "تسمط"، وهي مفردة شعبية تعادل السلق بالماء وبالملح مع إضافة التوابل.

المسموطة بعد أن يتم تجهيزها وتقديمها في طبق (الجزيرة نت)

طريقة تحضيرها
وتاريخيا المسموطة هي أكلة سومرية ولا تزال تؤكل في جنوبي العراق، حيث يتم إعدادها، فبعد صيد السمك ينشر في الهواء أو تحت أشعة الشمس، ويستخدم الخيط لربط بعضه ببعض، ثم يتم خزن الأسماء المجففة، وإذا أُريد استخدامها في الأكل يضاف إليها الماء والبهارات والبصل، والطريقة السومرية لهذه الأكلة لا تزال تمارس إلى الآن وبطقس لا ينسى من قبل العوائل العراقية، كما يقول الباحث والآثاري عامر عبد الرزاق للجزيرة نت.

ويؤكد عبد الرزاق أنه قد وُجد السمك المجفف (المسموطة) في مدن أور ولكش وبعض المدن السومرية المطلة على الأهوار.

ويستغرق تجفيف المسموطة، في الوقت الحاضر، ما يقارب عشرة أيام، يتم عملها أولا بغسلها وتنظيفها، ثم شق السمكة وتنظيفها من الداخل، ويوضع الملح في باطنها، وتربط في خيط مع مجموعة أسماك، حيث توضع تحت الشمس لتجفّف.

وأما طبخها، فيتم بغسلها وتنظفها جيدا أولا ثم توضع في قدر، مع إضافة الملح وبعض التوابل، كما توضع على نار هادئة، ويستغرق طبخها ما يقارب 25 دقيقة. 

الطريقة التقليدية في تجفيف السمك حتى يتحول إلى المسموطة (الجزيرة نت)

أنواع المسموطة
ويختلف طعم المسموطة من سمكة إلى أخرى ومدى الوقت الذي استغرقته في التجفيف، ولعل أبرز الأسماك التي يتم تجفيفها من قبل السكان هي "الشلك والشانك والحمري والخشني والسمتي والبني والكطان"، لكن الطعم المفضل في الطبخ هو سمك "الشلك" عند بعض مناطق ذي قار، بينما تفضل مناطق أخرى "السمتي"، بحسب ما يقول جبار السماك، وهو بائع سمك في أحد أسواق ذي قار، للجزيرة نت.

وتختلف أسعارها أيضا، فسعر الكيلوغرام من الشلك ذي الحجم الكبير قد يصل إلى ستة آلاف دينار عراقي (خمسة دولارات)، بينما السمك ذو الحجم الصغير كالخشني يصل سعره إلى خمسة آلاف دينار.

الموروث الشعبي
وليس بالغريب أن يعتاد الناس على أكل السمك أو المسموطة في الحضارة القديمة كون هذه الأكلات من العادات القديمة، لا سيما وأنهم يعيشون وسط مساحات مائية هائلة، فقد اعتاد العراقيون القدامى على تجفيف السمك، وفي صباح كل عيد فطر يأكلها الناس، كما يقول الباحث والكاتب ليث سهر للجزيرة نت.

ويضيف أن هذه الأكلة صارت عامل استقطاب للناس من غير الجنوبيين من أجل زيارة مناطق الأهوار ومحافظة ذي قار لتذوق أكلة المسموطة، بل إنها تحولت إلى مادة غنائية لدى أهل الجنوب في الأغنية التراثية الشهيرة "مسموطة والجاي مخدر".

وتظل المسموطة تعّبر عن تراث وهوية سكان جنوبي العراق، وما يمثله هذا الإرث القديم، كما يعرّف الناس هنا بأهمية مثل هذا التراث، ويخلد تاريخهم الحضاري على مدى قرون طويلة.

المصدر : الجزيرة