شم النسيم.. طقوس متوارثة تثير البهجة في مصر

المصريون يحتفلون بيوم شم النسيم من آلاف السنين (مواقع التواصل)
المصريون يحتفلون بيوم شم النسيم من آلاف السنين (مواقع التواصل)

صفاء علي- القاهرة

يحتفل المصريون بيوم شم النسيم منذ آلاف السنين، واستمر الاحتفال به دون انقطاع في كل مراحل التاريخ المصري، ورغم التحذيرات التي تطلقها وزارة الصحة المصرية كل عام للمصريين من عدم تناول الفسيخ خاصة من الجهات مجهولة المصدر، لما قد يؤديه من حالات تسمم تؤدي في كثير من الأحيان للوفاة خاصة لدى هؤلاء المصابين بارتفاع الضغط، فغالبا لا تخلو مائدة مصرية من الفسيخ والرنجة في يوم شم النسيم.

يقول عصام ستاتي في كتابه "شم النسيم عادات وأساطير" إن الاحتفال بعيد "شمو" أو شم النسيم، كان احتفالا بالطبيعة في الأساس، ولم يكن احتفالا دينيا، حيث اختار المصريون القدماء توقيت الاعتدال الربيعي ليكون يوم العيد، وفي ذلك إشارة لارتباط العيد بإشراق الشمس وتفتح الزهور، ما يعني بداية حياة جديدة.

وكان ارتداء المصريين أفضل ثيابهم والتطيب بأفضل العطور، من أبرز طقوس الاحتفال به، كما كانوا يستيقظون قبل شروق الشمس، ليقصدوا الحدائق والبحيرات، بينما صفحة النيل تمتلئ بالزوارق والمراكب التي تزينها زهور اللوتس وفروع الأشجار.

لا تخلو المائدة المصرية من أطباق السمك المملح والمدخن يوم شم النسيم  (مواقع التواصل)

الفسيخ مصدر الحياة
ويقول الكتاب إن تناول الأسماك كان أمرا شائعا في الحضارة المصرية القديمة، ومع قلتها في فصل الشتاء كان المصري القديم يقوم بتجفيفها وتمليحها في فصلي الصيف والربيع، وفي شم النسيم كان يتناولها لرمزيتها في أنها المصدر الأول للحياة، كونها من إنتاج الماء، بحسب معتقدهم، وكانوا يعتقدون أيضا أن تناول السمك المُملح يقيهم ضربات الشمس.

ويضيف الكتاب أن الوعي الصحي لدى المصريين جعل "الخس" من ضمن المائدة، لاحتوائه على الألياف الطبيعية المقوية لجدار المعدة، ولا يقل تناول البصل الأخضر أهمية عن السمك المُملح لفوائده الصحية بحسب ستاتي، إذ تشير الأسطورة إلى أن ملكا مرض ابنه وأخبره الكهنة أنه يعاني من سحر، وأمروا بأن يُوضع تحت رأسه في الليل ثمرة بصل ناضجة بعد قراءة بعض التعاويذ عليها، وفي الصباح شقّها الكاهن نصفين وقربها من أنف الصبي فشُفي على الفور.

طقوس متوارثة حتى الآن
ارتبطت بهجة شم النسيم حتى الآن في بعض قرى ريف وصعيد مصر بطقوس خاصة، حيث يقوم الصبية بتعليق حلقات فروع شجرة الصفصاف على أبواب المنازل، ويصنعون منه أطواقا (أكاليل) للرأس يزهون بها أمام أقرانهم، بالإضافة لقيامهم بتزيين الشوارع بأعواد من أشجار الصفصاف، والنباتات العطرية كالنعناع والريحان، كذلك فإن البيض عنصر مهم في الاحتفال بالعيد، وفي الصباح الباكر تقوم الأمهات بسلقه ليقوم الصغار بتلوينه وممارسة هواية الرسم عليه.

أما الفطير فهو معلم آخر من معالم اليوم، حيث تُشارك العائلة كلها في خبزه ليلا، ويُوضع صباحا في الفرن، ليتم تناوله مع البيض الملون والعسل.

ومن الطقوس الأخرى، الاستيقاظ باكرا، للاستحمام بالماء الجاري في النيل أو الترع، حيث يعتقد البعض أن ذلك كفيل بإزالة "كسل" الأيام الماضية، ويمنحهم نشاطا حتى عيد شم النسيم التالي، ومن لم يفعل ذلك سوف يكون مصيره الكسل لمدة عام مقبل، وهو الطقس الذي ما زال متداولا بين كبار السن حتى الآن في بعض قرى مصر، بحسب عفاف شلباية، وهي مصرية من إحدى القرى التابعة لمركز المنصورة.

ندى النيل وأشجار الصفصاف
وتضيف عفاف للجزيرة نت "تخرج النساء إلى النيل لاستنشاق الندى وقطع أشجار الصفصاف ليستخدمها الأطفال في الزينة، فيما يقوم الرجال والأطفال بالاستحمام في ماء النيل، ولا بد في هذا اليوم من زيارة بناتنا المتزوجات، وحمل "صينية" عليها أكلات هذا اليوم المميزة، مثل الفسيخ والرنجة، والبيض للأطفال، والبصل الأخضر، والخس، مع وضع عيدان النعناع والريحان".

نبروه أشهر مدن تصنيع سمك الفسيخ في مصر  (مواقع التواصل)

أصل الصنعة
يرتبط شم النسيم عموما بأكلة الفسيخ، وقد اشتهرت عدة مدن مصرية بإنتاج الفسيخ، من أبرزها نبروه بمحافظة الدقهلية، وعدة مدن بمحافظة كفر الشيخ أهمها دسوق وسيدي سالم، وتشتهر كلها بإنتاج الأسماك المُملحة وبيعها، ويفد إليها المصريون من كل المحافظات لشراء الفسيخ، خاصة في أعياد شم النسيم والفطر.

ويقوم إسلام محفوظ بشراء الفسيخ والرنجة من نبروه كل عام لزوجته، فبرأيه "أنها أصل الصنعة"، ورغم بُعد المسافة من القاهرة حيث يسكن إلى نبروه، فإنه يصر كل عام على الذهاب إليها لشراء كميات كبيرة للأهل والأصدقاء يقدمها أحيانا هدايا.

ويقول للجزيرة نت "تحب زوجتي الفسيخ، ورغم أنني لا أحب ريحته الكريهة، التي تبقى بالمنزل لعدة أيام، لكن ما باليد حيلة، فلابد أن تأكله لتحس بشم النسيم".

ويضيف "يتطلب تناول الفسيخ معدة قوية، لذا أنا أتناول سمك الرنجة أو الرنجة المُدخنة، حيث إنها أكثر "خفة" على المعدة من الفسيخ".

ويعد شم النسيم موسما لعمل الشباب داخل هذه المدن حيث يكثر الطلب، وبالتالي تزيد العمالة، بالإضافة لمهن مساعدة أخرى تزدهر هي الأخرى مثل بيع البصل والليمون والخس.

البحث عن المكسب الموسمي أيضا يسعى إليه آخرون مثل سعاد بدران، التي تقوم بشراء كميات من الفسيخ النبراوي لبيعها لأهل قريتها ببورسعيد المتاخمة لمحافظة الدقهلية. وتقول للجزيرة نت "أشتري الفسيخ من نبروه كل عام بكميات محددة، لأبيعه لمعارفي، نظير مكسب موسمي بسيط".

 رغم تحذيرات وزارة الصحة السنوية فإن الفسيخ يظل الضيف الرئيس على المائدة في شم النسيم  (مواقع التواصل)

عملية تصنيع الفسيخ
ويصنع الفسيخ من أسماك معينة مثل البوري، والطوبار، في مصانع خاصة، ويوضع مع كميات كبيرة من الملح في صناديق خشبية، لمدة 45 يوما، فيساعد الملح في طبخه، رغم بقائه نيئا، بحسب السيد محمود أحد العاملين بمحل فسيخ بنبروه.

ويرجع محمود في حديثه للجزيرة نت سبب الرائحة الكريهة، إلى عدم أمانة البعض في عملية التصنيع وترك الفسيخ لفترات أكبر من شهر داخل الصناديق، ويؤكد أن ذلك يمكن أن يؤدي لحدوث الشلل والتسمم أو الوفاة.

أما الملوحة وهي السردين الصغير، فيعتبرها "من مقبلات" الطعام في هذا اليوم، ولا تأثير لها مثلما يفعل الفسيخ، ويبلغ سعر الكيلو منها خمسين جنيها (2.92 دولار)، وتبدأ أسعار الفسيخ من 150 جنيها إلى مئتي جنيه ( 8.75 - 11.7 دولارا) لكيلو الفسيخ المميز، أما الفسيخ العادي فيبدأ من 125 جنيها للكيلو ( 7.3 دولارات) بواقع سمكتين، و115 جنيها للكيلو (6.7 دولارات) بواقع ثلاث سمكات.

المصدر : الجزيرة