بالفيديو: ممدوح البشارات.. بيوته معارض فنية تختزل تاريخ الأردن

ممدوح البشارات: المنزل بني عام 1932 حيث استدعى والدي مهندسا لبنانيا كان يعمل في القدس لتصميمه وبنائه (الجزيرة)
ممدوح البشارات: المنزل بني عام 1932 حيث استدعى والدي مهندسا لبنانيا كان يعمل في القدس لتصميمه وبنائه (الجزيرة)

همام العسعس-عمّان

هل سبق أن شاهدت فيلما كلاسيكيا يعود للعام 1924؟! كل شيء في هذا المكان يشعرك بذلك، هنا حقبة زمنية شكلت وجه الرقي وفن العمارة الأصيلة.

في ديوان الدوق ممدوح البشارات، حيث النوافذ المقوسة والزجاج الملون، والثريا -التي تحمل عبق الماضي- تتدلى من السقف العالي للمنزل الأقدم وسط العاصمة عمان.

قامت الجزيرة نت بجولة مصورة في بيوت العمّاني الدوق ممدوح البشارات، ليطلعنا عبر بيوته العمّانية على الطراز القديم لها الذي يشبه البيوت الدمشقية والمقدسية العريقة.

البشارات: يعود تاريخ بناء "ديوان الدوق" للعام 1924 (الجزيرة)

البيت الأول
التقت الجزيرة نت الدوق ممدوح البشارات (81 عاما) في ديوانه وسط المدينة القديمة في العاصمة عمّان، وبدا المبنى الحجري مزدحما بالزوار المحليين والأجانب، الجميع هنا يحاول ملامسة القطع القديمة من تماثيل وصور ولوحات عتيقة.

باعتباري صحفيا سعدت كثيرا بملامسة نسخة ورقية من جريدة القبلة، وهي أول جريدة عربية صدرت في مكة المكرمة عام 1916.

الديوان يشكل مقصدا للمبدعين وتقام فيه ندوات عن تاريخ المدينة (الجزيرة)

والحقبة القديمة هنا لا تقتصر على المادة فحسب، حيث يذكرني البشارات بالعادات والحكايات القديمة، إذ إنه يفضل تقديم الكنافة النابلسية لزواره من خلال إنزال حبل من شرفة المبنى معقود بطبق نحاسي أسفل الشارع حيث يوجد أقدم متجر لبيع الكنافة (حبيبة 1952)، ثم يرفع الطبق إلى الشرفة مملوءا بالكنافة ويقدمها ساخنة للضيوف.

البريد المركزي أصبح "فندق حيفا"
يحدثنا البشارات عن تاريخ هذا المبنى، ففي العام 1924 قام أحد أعيان عمّان -وهو عبد الرحمن باشا ماضي- ببنائه، لتستأجره فيما بعد إمارة شرق الأردن، لاستخدامه بريدا مركزيا حتى نهاية الأربعينيات من القرن العشرين، وبعد نكبة فلسطين عام 1948 تحول المبنى إلى فندق عرف باسم "فندق حيفا".

وأغلق بداية التسعينيات إلى أن استأجره البشارات وأعاد افتتاحه في العام 2001، لإعادة التألق إلى وسط المدينة القديمة بعد أن هجرت وغيبت العولمة والزحف المعماري الحديث وجهها الذي اختزل الكثير من الفن والحكايات.

مبنى البريد المركزي تحول إلى فندق عرف باسم "فندق حيفا" ثم أغلق بداية التسعينيات إلى أن استأجره البشارات وأعاد افتتاحه في 2001 (الجزيرة)

حاضنة ثقافية
ويشكل الديوان مقصدا للإبداع من رسم وشعر وموسيقى ومسرح وأدب، إضافة إلى عقد ندوات عن تاريخ المدينة، وغيرها من الفعاليات التي تعيد إلى منطقة "وسط المدينة" دورها كحاضنة ثقافية واجتماعية للعاصمة عمّان.

ويتعمد البشارات تعليق يافطات على شرفة الديوان مخطوطة بعبارات تعبر عن نبض المدينة وصوت ساكنيها، فعندما أعيد فتح معبر جابر نصيب الحدودي علق يافطة ترحب بهذا القرار وتحث على روح الإخاء بين السوريين والأردنيين.

البيت الثاني
توجهنا إلى بيت البشارات في جبل الجوفة إحدى أقدم المناطق في العاصمة عمّان، وفي الخارج قبل دخولنا إلى المنزل يشير البشارات إلى عمود مزخرف بنقوش تعود للحقبة الرومانية، ويؤكد أنه أنقذ العمود وحفظه في منزله بعد أن كان أحدهم ينوي تحويله إلى كومة حجارة.

العمود الروماني كان مقدمة لمجموعة من التماثيل والتحف في منزل البشارات الذي يلقبه كثير من العمانيين بـ"سفير الأردن في الأردن"، لقيامه بتحويل ممتلكاته وأراضيه إلى لوحة فنية يجمع فيها كل ما يستطيع من مقتنيات وآثار يسجلها في دائرة الآثار الأردنية.

وما إن وطئت أقدامنا المنزل حتى شعرنا بأننا في متحف قديم يزخر بموجودات تعود إلى العصور القديمة.

ويشير البشارات إلى أن هذا المنزل أنشئ عام 1932، بعد أن استدعى والده شبلي البشارات مهندسا لبنانيا من مدينة القدس لغاية تصميمه وبنائه.

ولم تتوافر أي معدات في ذلك الزمن، فنحتت حجارة المنزل في محجر يدوي، ونقل الرمل على ظهور الجمال.

البيت الثالث
من وسط المدينة القديمة في العاصمة عمّان إلى الشمال الغربي منها كانت وجهتنا الأخيرة، حيث قرية أم الكندم، وفيها أقدم البيوت في الأردن.

وبحسب البشارات، فإن جده إبراهيم البشارات أنشأه عام 1860، وقد بني على ثلاث مراحل، شملت الأولى تشييد الطابق الأرضي المكون من خمس غرف.

أما المرحلة الثانية فجرت في العام 1880، وكانت الأخيرة عام 1900، وفيها بني الطابق العلوي المكون من غرفتي نوم.

منزل جد البشارات وشيد عام 1860 (الجزيرة)

ولا يزال المنزل محتفظا بطابعه القديم، وكان مثيرا للإعجاب قيام البشارات بفتح بوابة المنزل المرتفع باستخدام مفتاح حديدي يزيد وزنه على كيلوغرام، وما إن سرنا إلى الداخل حتى بدونا في بهو مرتفع الأسقف وعلى يساره كنيسة تتسع لعشرين شخصا، وعلى يمينه غرف تملؤها مقتنيات فخارية وأوان ملونة تسحر عيون الناظر إليها، ناهيك عن سماكة الجدران التي تزيد على المتر.

مقتنيات عتيقة في منزل جد البشارات (الجزيرة)

بين فلسطين ومصر وبريطانيا
كان البشارات طالبا في مدرسة بير زيت بفلسطين إلى أن اضطرت عائلته للعودة إلى عمّان بعد النكبة الفلسطينية عام 1948، ليلتحق فيما بعد بمدرسة المطران في منطقة جبل عمّان، وبعد ثلاثة أشهر انتقل إلى القاهرة للدراسة والعمل، حيث جذبه نمط حياة المصريين.

وفي العام 1956 رحل البشارات للعيش والدراسة في العاصمة البريطانية لندن، بعد أن افتتن بموجة الثقافة والفنون آنذاك وانتشار المكتبات والمعارض الفنية فيها، الأمر الذي دفعه لاقتناء العديد من اللوحات والكتب القديمة وجلبها معه إلى الأردن، نظرا لما تضم من رسومات وكتابات تعبر عن منطقة الشرق.

ومنذ ذلك الوقت والبشارات مهتم باقتناء كل ما هو قديم، فكانت أبرز مقتنياته شراء نسخة نادرة للقرآن الكريم -طبعت عام 1788- من مزاد مدينة دبلن الإيرلندية.

قطع أنتيكا تعود لعشرات السنين من مقتنيات البشارات (الجزيرة)

البشارات يزرع القمح
بعد عودته إلى الأردن عمل البشارات مزارعا ومنتجا للقمح في مزرعة والده الشاسعة في المخيبة الفوقا (شمالي الأردن قرب نهر اليرموك) ومزرعة عائلته في أم الكندم شمال غرب العاصمة عمّان.

كانت عائلة البشارات من أوائل العائلات التي استوردت الآلات الزراعية الحديثة إلى الأردن واستخدمتها.

ويتابع البشارات حديثه مستذكرا تلك الأيام، فقد كان والده يصدر مئات الأطنان من القمح إلى فلسطين على ظهور الجمال، وكان البعض منها يقايض بزيت الزيتون والصابون النابلسي الشهير.

ويوفر البشارات عشرات الوظائف للعديد من الفقراء الذين يعملون في مزارعه وبيوته، ويأكل مما يزرع من خضروات طبيعية ومما ينتج من مشتقات لحليب الأبقار والأغنام، ولديه بيت شهير مطل على نهر الأردن المحاذي لحدود الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1948 يقضي فيه بعض أيام الشتاء، لدفء المناخ في تلك المنطقة. 

 البشارات: الملك الراحل الحسين أطلق علي لقب "الدوق" (الجزيرة)

الملك يلقبه بـ"الدوق"
في العام 1974 لبى الملك الراحل حسين بن طلال دعوة ممدوح البشارات لزيارة مزرعته في المخيبة الفوقا، فأعد البشارات وليمة غداء في الهواء الطلق.

لكن غيمة ماطرة غطت الأجواء المشمسة وقتها وجلبت أمطارا كثيرة أدت لإطفاء النار وابتلال المقاعد والموائد، عندها غطى البشارات الملك الحسين بسعفة نخلة واصطحبه إلى أحد أركان المزرعة ليقيه المطر، فما كان من الملك إلا أن أطلق عليه لقب "الدوق" لفعله النبيل.

المصدر : الجزيرة