بعيدا عن الفسيخ.. ثقافات عالمية تشترك في طريقة حفظ الأسماك

كان تمليح الأسماك من أوائل استخدامات اليونانيين للملح لحفظ الأسماك (بيكسابي)
كان تمليح الأسماك من أوائل استخدامات اليونانيين للملح لحفظ الأسماك (بيكسابي)

زهراء مجدي

كان تجفيف الأسماك أسلوبا للمحافظة عليه، حيث يمنع الملح نمو البكتيريا، مما يسمح بتخزين الأسماك لمدد طويلة، لكن ليس من الواضح كيف بدأت الشعوب القديمة في جميع أنحاء العالم باستخدام الملح في تجفيف الطعام، ولا أحد يعلم هل كان طقسا منذ بدايته أم وسيلة لحفظ الطعام لمدة أطول في عصور لم تعرف المبردات.

ورغم أننا نعيش عصرا بإمكانيات مختلفة، فإن تمليح وتخمير الأسماك ما زال تقليدا في الأسواق الآسيوية والأفريقية وأحيانا الأوروبية، حيث ترى أسماكا كاملة مسطحة على ألواح الخشب، ومجففة جيدا بالملح بحيث لا يتبقى من نكهة السمك شيء، وربما تتقارب رائحتها النفاذة، لكن تختلف طرق تناولها.

الكانتونية الصينية
كانت الأسماك المملحة طعاما تقليديا صينيا عبر قرون بوصفها طريقة لحفظها، حتى اكتسبت منذ القدم لقب "طعام الرجل الفقير" لقيمتها الغذائية وشيوعها، بحسب موقع "وولد أف بوز" (World of Buzz)، إلى أن ظهرت في الأمثال الشعبية والأغنيات دليلا على البساطة.

يملّح الصينيون حوالي 20 نوعا مختلفا من السمك مثل النهاش الأحمر والخيوط والماكريل الإسباني والماكريل الياباني، لتصنيعها بعدد من الوصفات كالتخليل ومحلول الملح أو التمليح الجاف أو مزيج من هذه الوصفات، وذلك بعد سحب أمعاء السمكة من خلال حلقها دون شق البطن.

ويتم وضع الأسماك والملح في براميل خشبية، ثم توضع الأوزان الثقيلة عليها أو غالبا يتم دفنها، وفي أنواع أخرى يتم تعليق السمك في الأسقف ليجف بفعل حرارة الشمس.

يعد فساد الأسماك المملحة في الصين أزمة، خاصة في المناخ الرطب في جنوبي الصين والمناسب لنمو البكتيريا مثل المكورات العنقودية التي تظهر وتتسبب في رائحة كريهة للغاية.

 أسماك رفيعة مجففة بالملح ومعرضة للشمس (بيكسابي)

القرش الأيسلندي
أحب الأيسلنديون التخمير إلى درجة أنهم فعلوه مع لحم سمك القرش، ويفخر الشعب الأيسلندي بتقاليده القديمة التي تعود لعصر الفايكنج الذي امتد من أواخر القرن الثامن حتى القرن الحادي عشر في أوروبا الشمالية، والذي بدأ فيه تخليل وتمليح أسماك القرش ثم تعليقها في سقف كوخ خشبي حتى تجف، لمدد تصل في بعض الأحيان لثلاثة أشهر، ووفقا لتقرير نشره موقع ناشيونال جيوغرافيك ترافلر، ليتم تقديمها خلال مهرجان منتصف الشتاء الأيسلندي.

تحمل وجبة الهكارل معها درجات عالية من الخطر لأن أنواع سمك القرش التي تستخدم في صنعه لا تملك كلية حتى احتوت على مستويات عالية من اليوريا والمواد الكيميائية مثل أكسيد ثلاثي ميثيل أمين، وهي المادة التي يتردد عنها دوما درجة سمّيّتها العالية.

عرف الأيسلنديون أيضا طريقهم لتخمير سمك الرنجة بصيدها من بحر البلطيق قبل وضع البيض، وهو أصغر من سمك الرنجة الأطلنطي، ووفق دراسة يابانية حديثة، فإن علبة واحدة من الرنجة السويدية تحتوي على واحدة من أكثر روائح الطعام المتعفنة في العالم.

الأنشوجة اليونانية
تعد اليونان من الدول التي تستمد ثروتها من استخراج الملح، حتى استخدمته في تجفيف الأسماك منذ عصورها القديمة، فكان يستخرج قديما من جزيرة سالاميس، وتم استخدامه في البداية بشكل ضئيل لأنه كان عنصرا ثمينا، وتعد إضافته للطعام ترفا، ولكن على مر القرون زاد حب اليونانيين للأسماك المعتقة وأصبح استخدامه أساسيا مع التوابل الأخرى.

كان تمليح الأسماك من أوائل استخدامات اليونانيين للملح لحفظ الأسماك، وبحلول القرن الخامس الميلادي أصبحت الأسماك المملحة، وخاصة الأنشوجة، غذاءً أساسيا حتى اليوم.

ينتشر سمك القد أيضا في اليونان خاصة وأن حجمه أكبر من الأنشوجة حتى يمكن شراؤه كسمكة كاملة أو في قطع صغيرة.

وتزيد شعبية القد مؤخرا لسعره الرخيص، وتمليحه كان ضرورة للحفاظ عليه لمدة طويلة دون مبردات، حتى أصبح مصدرا هاما للبروتين لمن لا يقدرون على شراء اللحم.

تعد الأسماك المملحة والمجففة من الأطباق الشائعة في المطبخ الفلبيني (بيكسابي)

طبق الفلبين المقرمش
تعد الأسماك المملحة والمجففة من الأطباق الشائعة في المطبخ الفلبيني بوصفه عنصرا أساسيا، أو لإضافة النكهة على الطعام، وخاصة طبق الأرز والفاصوليا والبيض.

ويستخدم الفلبينيون طريقة "تويو" أو "داينج" لتمليح السمك بنقعه في الخل والثوم، ثم تجفيفه وتركه في الشمس لمدة تختلف حسب الرغبة، وتبدأ من يوم واحد بكمية أقل من الملح، وحتى 5 أشهر.

يتخطى عدد الأنواع المملحة في الأسواق الفلبينية 10 أصناف مختلفة، ويختار الفلبينيون سمكات رفيعة للتمليح ليسهل أكلها وجبة خفيفة للتسلية بعد قليها كرقائق البطاطس، وهي طريقة ابتكرها المهاجرون لتجنب مضايقة جيرانهم الأجانب بتحميص السمك المملح في الفرن، ثم تفتيته وإضافته لوصفات الأرز، أو طبخه مع صلصة الطماطم.

الفسيخ الأشهر في مصر
لآلاف السنين، يعد الفسيخ والرنجة جزءا هاما من الثقافة المصرية، وتقليدا سنويا في أعياد شم النسيم، ورغم ذلك لن تجد هذه الأطباق في المطاعم، فبيعها مقتصر على المحلات التي تتفاوت درجة أمانتها في تصنيع الأسماك المملحة.

ويقود صناعة الفسيخ والرنجة في مصر عائلة شاهين، وعميدها محمد شاهين الذي جاء إلى القاهرة قادما من المنيا منذ عام 1912، وبدأ ببيع الفسيخ والرنجة والملوحة، وأسس متجرا باسمه في منطقة باب الخلق التاريخية بقلب القاهرة، بحسب تقرير لبي بي سي.

وتبدأ عملية صناعة الفسيخ -على طريقة شاهين- باصطياد سمك البوري من البحر المتوسط، ثم تعبئته مع الملح في براميل مصنوعة من الخشب، وتركه لمدة 45 يوما، ليكون بعدها صالحا للأكل حتى 6 أشهر.

أما الرنجة فهي سمك مدخن، يتم استيراده طازجا من هولندا ويطبخ في مصانع بالقاهرة، ولكن يقل ثمنه كثيرا عن الفسيخ، كما يقل ضرره لعدم الحاجة للغش مع سعره المناسب.

ويشترك الفلسطينيون مع المصريين في حب "الفسيخ"، وهو الوجبة المفضلة في أول أيام عيد الفطر، فيزاحم سمك الجرع المخزن أطباق الحلويات والكعك على مائدة الاحتفال بالعيد.

أما في السودان، فيقدمون على صنع "الفسيخ" من سمك البوري أو التونة، لكن مع إضافة الطحينة والمزيد من الفلفل السوداني الحار.

المصدر : الجزيرة