أطفال سوريا.. بين تحدي الإعاقة والخضوع للواقع

أحمد تأقلم مع إعاقته الجسدية التي رافقته منذ ولادته نتيجة تشوه خلقي في ساقه (الجزيرة)
أحمد تأقلم مع إعاقته الجسدية التي رافقته منذ ولادته نتيجة تشوه خلقي في ساقه (الجزيرة)

سيلا الوافي-إدلب

يعيش أطفال سوريا الذين ولدوا أثناء الحرب حالة مزرية لا يعلمها إلا الذين يعانون آلامهم في الليل والنهار، ورغم إعاقتهم يحاولون جاهدين التأقلم معها ومعايشة الواقع الذي فرض عليهم، متحدين بعزيمتهم وإصرارهم جميع العثرات التي تحاول أن تقف عائقا بينهم وبين أحلامهم المستقبلية.

وكما لصوت الرصاص وقوته وقع على مسامعنا وألم على أجسادنا، كان لكلمات أحمد الجاسم ذي العشر سنوات وقعها على قلوبنا، بحلمه البسيط وكلماته البريئة التي عبر بها: "أنا أمنيتي ما ضل معاق وحلمي صير (أصبح) طبيب حتى أعالج الناس مشان ما يتعذبوا متلي".

يقول فرحان الجاسم (والد الطفل أحمد) للجزيرة نت إن ابنه تأقلم مع وضع إعاقته الجسدية التي رافقته منذ ولادته نتيجة تشوه خلقي في ساقه، ورغم تقدم وتطور الطب في وقتنا الحالي وخضوع أحمد لعدة عمليات جراحية لإطالة الساق، فإنها باءت بالفشل، "ووقفنا عاجزين أمام الخيار الأصعب ببتر قدم أحمد واستبدالها بطرف صناعي، لكننا لم نرضخ لذلك الخيار آملين إيجاد العلاج الطبي البديل عن البتر والإمكانات الحديثة المتوفرة، سواء في تركيا أو إحدى الدول الأجنبية لشفائه".

ويؤكد الوالد أن جسد أحمد الهزيل لم يعد يقوى على احتمال المزيد من العمليات الجراحية الصعبة التي تنهك قواه دون جدوى، موضحا أننا "لم ندع أي طبيب مختص أو مشفى في المناطق المحررة إلا اطلع على وضعه دون فائدة".

جميع العمليات الجراحية التي خاضها الطفل أحمد باءت بالفشل (الجزيرة)

إصرار وتحد مقابل حياة طبيعية
يقطع أحمد كل يوم في الصباح الباكر مسافة ألف متر زحفا على يديه للذهاب إلى المدرسة، ونيل أعلى الدرجات على مستوى صفه، غير مبال بإعاقته، فيبث في روح أهله القوة للتمسك بقرارهم بعدم البتر والسعي جاهدين لإيجاد علاج له.

ويضيف الوالد "في كل مرة أشاهد أصدقاء أحمد وأخوته يلعبون كرة القدم وهو يجلس فقط يتأملهم، أشعر بغصة في قلبي لعدم قدرته على المشاركة باللعب معهم، إلا أن أحمد لا يأبه لحرمانه من اللعب، بل على العكس تماما يتابع مثابرا لتحقيق حلمه غير مهتم بوعورة الطريق الذي يقطعه دون الحاجة لمساعدة أحد، متجاهلا جميع ما مررنا به حتى في ظروف النزوح، بقوله: لن أجعل إعاقتي عبئا يثقل كاهلكم أو كاهلي".

‪أحمد‬ لم يعد جسده (الجزيرة)

جهل الآباء يودي بالأبناء
لم يكن يدري إبراهيم العبد الله والد الطفلة مريم مخاطر زواج الأقارب إلا بعد أن رزق بأطفال مكفوفين منذ ولادتهم، نتيجة مرض وراثي يتناقلونه بين الأجيال، ولا سبيل لعلاجه أو الشفاء منه، حسب كلام أحد الأطباء المشرفين على الحالة.

لكن فقدان مريم ذات السبعة أعوام بصرها لم يمنعها يوما من تأدية واجباتها الحياتية والتعايش، سواء في التعلم أو اللعب أو قضاء حاجاتها اليومية، حيث جعلت حواسها الأخرى دليلا مرشدا لها في عتمتها؛ فبالسمع تتلقى تعليمها وتحفظ ما يلقى على مسامعها، وبإحساسها المرهف تتمكن من إبصار طريقها.

يقول إبراهيم والد مريم للجزيرة نت: منذ معرفتنا بحالة مريم بدأنا تعليمها وتدريبها على مخارج ومداخل المنزل، والتعرف على الغرف بلمس قطع الأثاث التي تميز المطبخ عن غرف النوم والجلوس وإرشادها للاتجاهات الصحيحة "يمين ويسار"، والتفريق بينها لتتمكن من الاعتماد على نفسها دون الحاجة لأحد.

ويضيف أن أكثر ما يواسيه في فقدان مريم بصرها هو ذكاؤها وامتلاكها بصيرة حسية تجعله يشعر أحيانا بأنها طفلة طبيعية، حيث تحفظ طرقات منازل الأقارب وتمشي فيها دون أن تتعثر أو تضل طريقها، إضافة إلى سرعة استجابتها وحفظها دروسها.

لكن هذا لا يعني عدم وجود بعض العقبات التي تقف حائلا بينها وبين مستقبلها التعليمي، فلا توجد أي وسائل أو طرق تعليمية خاصة بالمكفوفين تمكنها من الكتابة أو القراءة كون العائلة تعيش في قرية نائية وبعيدة عن المدنية، وليس هناك اهتمام أو دعم من قبل أي منظمات تعنى بشؤون ذوي الاحتياجات الخاصة، وفق ما يقول الأب.

ويضيف "أمنيتي الوحيدة هي تواجد مراكز رعاية أو حتى صف تعليمي واحد ضمن المدرسة يهتم بذوي الاحتياجات الخاصة لتتابع مريم مسيرتها الدراسية، وتتمكن من تحقيق حلمها بأن تصبح معلمة".

ولدت مريم مكفوفة نتيجة مرض وراثي لكن ذلك لم يمنعها من مواصلة تعليمها (الجزيرة)

أطفال الحاجة إعاقة جديدة
وبالنظر للجانب الآخر، فثمة إعاقة الحاجة التي يعاني منها عشرات الأطفال في سوريا، والتي فرضتها ظروف الحرب والنزوح المستمر، فجعلت أطفالا في عمر الورد متسولين مستعطفين المارة من أجل ثمن علبة بسكويت أو التصدق ببعض مال يساعدهم في تأمين قوت ذويهم.

كما هي حال زهراء ومريم ومصطفى، فهؤلاء الأطفال الذين تركوا مقاعد دراستهم متجهين إلى الأزقة والشوارع لطلب المساعدة لتأمين مستلزمات حياتهم، ودفعتهم الحاجة للتسول من أجل جلب المال، عوض إتمام تعليمهم، لتبقى أحلام هؤلاء الأطفال وآمالهم معلقة في أعينهم الدامعة.

إن مريم وزهراء ومصطفى كباقي الأطفال لديهم أحلامهم بأن يصبحوا معلمين وأطباء من أجل أهداف نبيلة؛ إما معالجة المرضى والفقراء، أو نشر العلم والمعرفة لمن تمنى إتمام دراسته ولم يستطع نتيجة قسوة الحياة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

يشكل المطعم الذي أنشأته جمعية “آباء وأصدقاء الأشخاص المعاقين ذهنيا” (هدف) بالعاصمة المغربية الرباط؛ أول مبادرة من نوعها في البلد تسعى لإدماج هذه الفئة اجتماعيا ومهنيا.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة