رحالة تونسي باع ممتلكاته ليكتشف سحر أفريقيا

رحالة تونسي باع ممتلكاته ليكتشف سحر أفريقيا

الرحالة التونسي مهدي بلحاج بدأ رحلته الأفريقية من الصحراء الكبرى وزار بلدانا عدة (الجزيرة)
الرحالة التونسي مهدي بلحاج بدأ رحلته الأفريقية من الصحراء الكبرى وزار بلدانا عدة (الجزيرة)

صفاء علي

أن تصبح حياتك رحلة استكشافية حول العالم لتتعرف على أسرار الطبيعة واختلافات البشر أمر ممتع، لكن ليس من السهولة بمكان تحقيق ذلك، غير أن البعض غامر ونفذ.

مهدي بلحاج تونسي الجنسية، بدأ رحلته منذ ستة أشهر من الصحراء الكبرى، ومر خلالها بالمغرب والجزائر وليبيا وموريتانيا والسنغال ومالي وغينيا بيساو، وهي الرحلة التي باع من أجلها كل ممتلكاته، يأخذنا بلحاج في جولة ليحكي لنا أبرز محطات رحلته.
 
جزيرة غوري بالسنغال.. معقل تجارة العبيد بأفريقيا
جزيرة غوري -التي تبعد نحو ثلاثة كيلومترات عن العاصمة السنغالية داكار- تعد اليوم أكبر شاهد على تجارة الرقيق في أفريقيا، لا تزيد مساحة الجزيرة على عشرين هكتارا، وتحوي منزلا يسمى "منزل العبيد" الذي يحكي تاريخ بيع الرقيق في أفريقيا حين كانت تلك الجزيرة بوابة أفريقيا لتصدير العبيد لأوروبا.
 
ويصف بلحاج للجزيرة نت بيت العبيد قائلا "وأنت تتجول بعينيك داخل (منزل العبيد) ترى تاريخا مكتوبا في لوحات، وسلاسل وأغلالا، وعبيدا عراة مربوطين بعضهم إلى بعض تحت حراسة جنود بيض".

لوحة من داخل بيت "العبيد" في جزيرة غوري بالسنغال (الجزيرة)


ويتكون المبنى من طابقين، العلوي لتجار النخاسة، بينما خصص السفلي منه للعبيد الأفارقة، ويحوي الطابق السفلي صورا لأوجه المعاناة التي عاناها العبيد، حيث كانوا يقيمون في حجرة ضيقة ومظلمة، وكانت هناك غرف مخصصة للفتيات، يقول بلحاج "كانت الفتيات تباع بأسعار أعلى، إذ كن يجمعن بين الشباب والعذرية".

وبحسب بلحاج، فإن تلك الغرف كانت لا تحوي مراحيض، وتعطى فرصة وحيدة في اليوم إلى العبد لقضاء حاجته، وبعدها يترك فضلاته مكان وجوده، ويظل معتمدا وضع القرفصاء طوال فترة احتجازه قبل ترحيله من الجزيرة.
 
أما الأطفال فترصد رحلة بلحاج أنه كان يخصص لهم غرف أخرى، أما بالنسبة للمتمردين فيتم تعليقهم في زنزانة ضيقة جدا لا تهوية فيها، يعلو سقفها مسمار يعلق فيه العبد من رجليه المقيدتين بالسلاسل ويترك رأسه إلى الجهة السفلى لمدة طويلة إمعانا في تعذيبه.
 
ولم يكن يسمح لأي من المحتجزين بالمرض، فالمرض يعني ببساطة إطعامه لأسماك القرش التي استوطنت تلك السواحل.
 
الحج إلى طوبى
انتقل الرحالة بلحاج إلى مدينة طوبى، وهي ثاني أكبر مدينة بالسنغال بعد العاصمة داكار، وتعتبر معقل الطريقة المريدية التي أسسها الشيخ أحمد بمبا أو الشيخ الخديم الذي أسس المدينة بعد نفيه خارج المدينة لمدة ثماني سنوات على يد الاحتلال الفرنسي ليتخذها صومعة لشكر الله.

أحد المساجد في مدينة تمبكتو شمال مالي (الجزيرة)

في يوم 18 صفر من كل عام هجري يجتمع عدد كبير من مريديه للاحتفال بذكرى رجوعه من المنفى، وكل يذبح ما يستطيع، وأصبح هذا اليوم هو يوم للشكر لكل أتباع تلك الطريقة فيما يعرف بـ"مغال طوبى"، ومغال باللغة الولوفية المحلية تعني الاحتفال.

وتنتشر الطريقة المريدية بشكل كبير في أفريقيا الغريبة، وتعد من كبرى الحركات الصوفية انتشارا، وعند زيارتك لتلك المدينة لن تتكلف عناء توفير سكن خاص، أو طعام، أو حتى وسيلة مواصلات، حيث تقدم كل تلك الخدمات مجانا للزائرين.
 
تمبكتو المدينة الأسطورة
واستكمالا لرحلة بلحاج ننتقل معه إلى تمبكتو، وهي مدينة في شمال مالي، وكانت من أهم العواصم الإسلامية في غرب أفريقيا، كل شيء فيها يأخذك نحو الأزمنة الغابرة لأيام كانت فيها عاصمة للثقافة والمعمار والفن.
 
من هذه البلدة خرج الإمبراطور أبو بكر الثاني في أولى الحملات نحو القارة الأميركية، حيث استقر هناك أي قبل أن يصلها المستكشف (الرحالة) الإيطالي كريستوفر كولومبس بأكثر من مئتي سنة، بحسب الروايات.

كما يطلق عليها أيضا "مدينة الذهب"، في إشارة إلى عصرها الذهبي عندما كانت حاضرة إمبراطورية مالي، وتسببت رحلة زعيمها منسا موسى إلى مكة للحج في تراجع سعر الذهب بالعالم لكثرة ما وزعه من ذهب على طول طريقه.

وتابع بلحاج "على مشارف البلدة لا تزال الحرب مستعرة بين الجهاديين والثوار الانفصاليين وقوات لحفظ السلام، منذ سبع سنوات لم يجرؤ أي أجنبي على زيارتها، ويجمع سكان البلدة اليوم على أن المدينة تحتضر".
 
ويضيف "كل شيء متأصل في تلك المدينة، فحتى الأفراح لا تزال على المنوال نفسه المتبع لقرون مضت، حيث تستمر مراسم الزواج لسبعة أيام، أهمها اليوم الأخير، حيث يجتمع الأهالي للف العمامة على رأس العريس، وتسليمه عصا رمزا للقيادة والمسؤولية".
 
العبيد في موريتانيا
موريتانيا ألغت العبودية سنة 1981 وجرمتها نهائيا سنة 2015، ومع ذلك لا تزال مظاهر الرق منتشرة فيها، ويطلق على العبيد السابقين في موريتانيا اسم "الحراطين أو الحراثين" نسبة إلى أعمال الحرث والزراعة التي اعتادوا القيام بها قديما.

ويسعى هؤلاء اليوم لاسترداد جميع حقوقهم باعتبارهم مواطنين أحرارا دون تمييز مع العرب البيض الذين يعرفون بالبيضان وترجع جذورهم إلى القبائل اليمنية.

ويطمح معظم الحراطين لتحسين مكانتهم في المجتمع الموريتاني عبر التعليم، لكن مع ذلك يعمل كثير منهم تحت ظروف قاسية، مثل التهريب والأعمال اليدوية وأشغال البحر.
 
أما الأقل حظا فيضطر للعمل في خدمة المنازل لقاء النوم وبعض الطعام، والأكثر غرابة أن هناك من يرفض الخروج عن سلطة سيده حتى بعد تحريره بالقانون، فبالنسبة له لا ملجأ غير ما يوفره له السيد من مكان متواضع للنوم أو قد يضطر لقضاء الليل كاملا وبعض النهار على كرسي لحراسة المنزل والسيارة.

أقنعة لطرد الأرواح الشريرة في كوت ديفوار (الجزيرة)


القوى الخارقة تحكم القبائل
أثناء رحلته مر بلحاج بكوت ديفوار، وتروي الأسطورة أن أرض ساحل العاج كانت مهجرا للقبائل الصغيرة التي استوطنت ضفاف نهر النيجر ثم اضطرت للنزوح بعد هيمنة إمبراطورية مالي، فتركت أعمال الصيد وامتهنت الفلاحة والزراعة وتجارة العاج في أدغال هذا البلد.
 
بعض هذه القبائل تسمى القبائل المنبوذة، حيث تؤمن بالقوى الخارقة التي تستوطن بعض الغابات المقدسة عندها، فتمنع أي غريب من الدخول إليها دون مباركة زعيم القبيلة.

ويستطرد بلحاج "غير بعيد عن هذا المكان تقطن قبيلة "الووبي"، ومن عاداتها الغريبة في الاحتفالات أن يرتدي الأطفال والشباب الأقنعة الخشبية المزينة ببعض الألوان الغريبة والمخيفة إيمانا منهم بقدرتها على طرد الأرواح الشريرة".

المصدر : الجزيرة