وشم الجدات وتاتو الحفيدات.. بين الأعراف والموضة

وشم الجدات وتاتو الحفيدات.. بين الأعراف والموضة

الفتيات يقبلن على التاتو بحثا عن الجمال والجاذبية (رويترز)
الفتيات يقبلن على التاتو بحثا عن الجمال والجاذبية (رويترز)

علاء كولي-ذي قار

تمثل ظاهرة الوشم على الجسد من قِبل النساء العراقيات عادة اجتماعية متوارثة، وإحدى علامات الزينة والجمال، حرصت العجائز والجدات على اتباعها، منذ سنوات طويلة، قبل أن تندثر بمرور الزمن، لتنتشر لاحقا ظاهرة التاتو بشكل لافت بين فتيات الجيل الحالي، لتطوي بذلك ذاكرة إحدى العادات القديمة في العراق.

واعتادت النساء، وبالتحديد، عند الأجيال ما قبل العشرينيات والثلاثينيات وصولاً الى جيل الستينيات من القرن الماضي، أن توشم أجسادهن بعلامات وخطوط، على اليد والقدم والجبهة، باعتبار ذلك جزءا من الجماليات التي كانت تثير أنظار الرجال وإعجابهم.

مسنة عراقية تضع وشما على يدها (الجزيرة)

هوية وتراث
كانت الأعراف الاجتماعية تعتبر ظاهرة الوشم أو "الدكة"، التي تضعها المرأة سابقا، جزءا من هويتها وتراثها، لكن هذه النظرة بدأت تتراجع، ولاسيما بعد صعود المد الديني الذي أثر بشكل كبير على بعض العادات واعتبرها محرمة، بحسب ما يقول الباحث في التراث محمد العبودي للجزيرة نت.

ويشير العبودي إلى أن عام 1963، شكل نقطة تحول تجاه النظرة لكثير من العادات القديمة خاصة بعد صعود التيارات الدينية، التي اجتاحت المجتمع، وأثرت في الحياة بشكل عام، وأسهمت في التأثير عليه فيما بعد، ما أدى إلى التأثير في عادات اجتماعية، منها الوشوم.

والدليل على ذلك كما يقول العبودي، إن الأجيال التي كانت توشم قد توقفت عن ذلك بعد الستينيات، أي بعد مرحلة الانقلابات والاضطرابات التي أصابت المجتمع والتي تغيرت كثيرا فيما بعد، حتى ظلت تنحسر.

وشم على وجه إحدى المسنات العراقيات (غيتي)

طرد الشر والحسد
كان الوشم يمثل إرثا اجتماعيا قديما، كما يتحدث العبودي، وهو شكل من أشكال التعبير في بعض المجتمعات، وبدأ عند النساء، وفي العراق كان يمثل هوية وشكلا تعبيريا يختلف من منطقة لأخرى، وما بين نساء قبيلة إلى أخرى، وإضافة إلى أنه يمثل بظاهره منظرا للجمال حيث لم آنذاك مراكز تجميل.

ويعتقد الناس كما يضيف العبودي، أن وشم الجسد ببعض العلامات والخطوط، يبعث ارتياحا نفسيا، وأيضا محاولة للخلاص من الشر والحسد، وهو ما تكشفه طريقة نقش الخطوط في الأيدي والأرجل بشكل لافت لدى النساء، كما هي عادة العراقيين القدماء.

طريقة نقش الدكة  (الجزيرة)

الداكوكة الغجرية
كان الوشم أو "الدكة" كما يسمى محليا في العراق، ظاهرة اجتماعية تعشقها النساء وتحرص الأمهات منذ زمن طويل على إرسال بناتها إلى "الداكوكة" لوشمها كي تبدو بشكل جميل ولافت، وأيضا تحافظ على قيم القبيلة التي ترى فيها زينة وعادة متعارفا عليها، كما تقول أم محمد (78عاما)، خلال حديثها للجزيرة نت.

وتضيف أم محمد أن الوشم كان من العادات التي تواظب النساء عليها، حيث كانت النساء الغجريات، هن من يرسمن "الدكة" لخبرتهن الطويلة فيها.

وطريقة رسم "الدكة" تكون باستخدام الإبر والرماد الذي يتم مزجه بالماء، وبعد ضرب الجسد بالإبر بشكل متواصل بحسب الرسمة يتم وضع الرماد عليه، ويترك لفترة ليتحول فيما بعد إلى اللون الأخضر، ولكنه يحتاج إلى مقاومة كبيرة كونه يتسبب بكثير من الألم، كما تقول أم محمد.

ويحظى هذا التقليد باهتمام وتقدير لدى القبائل العربية آنذاك، ولم يشكل أي إساءة لهم، كونه في أزمان سابقة لم تتوافر فيها الصالونات أو مراكز التجميل للنساء، إذ كان الوشم أو الدكة و"الديرم" الذي يوضع على الشفاه، وغيرها من الأدوات البدائية البسيطة هي بمثابة أدوات مكياج للمرأة العراقية.

تاتو الفتيات
وترغب فتيات كثيرات في الوشم والتاتو، حيث تزدهر بشكل واضح هذه الظاهرة، ولا سيما تحديد الحاجبين والرسم على الجسد، في مناطق القدم أو على المعصم أو في أماكن أخرى من الجسم، وتكون بالعادة في مناطق غير ظاهرة، كما تقول دعاء نجم (24 عاما) للجزيرة نت.

وتضيف بأن هناك إقبالا واسعا لوشم الجسد برسوم مختلفة، ويبلغ سعر التاتو على الجسد حوالي 90 ألف دينار عراقي (70 دولارا) تقريبا، غير أنه يختلف من مدينة إلى أخرى ليصل ببعض الحالات إلى أكثر من 200 ألف دينار (180 دولارا)، وتؤكد بأن عمل ونجاح الصالونات ومراكز التجميل اليوم يعتمد بشكل كامل على رسم التاتو أو الوشم.

وتفضل هناء (26 عاما) رسم التاتو بين فترة وأخرى، حيث تقول للجزيرة نت إن التاتو تجربة جيدة، غيرت من شكلها ومظهرها بشكل لافت، وجعلها تبدو أجمل وأصغر.

الفتيات العراقيات يقلدن تاتو عارضات الأزياء والممثلات العالميات (غيتي )

مخاوف ونظرة سلبية
قبل أكثر من عشر سنوات، تعرضت مراكز التجميل والصالونات في ذي قار إلى إغلاق بسبب انتشار الأفكار الدينية المتشددة، التي منعت كثيرا من تلك المراكز، مما دفعها إلى ترك العمل بسبب التهديدات كما تقول حنين علي ( 33 عاما)، وهي عاملة في صالون لتجميل النساء، للجزيرة نت.

وفيما تمضي دعاء أحمد (28 عاما) برسم التاتو، تقول للجزيرة نت، إنها ليست نادمة على تجربة التاتو، فهو يجعلها أجمل وذات منظر جذاب ورائع، ويعطيها شكلا جديدا، على غرار عارضات الأزياء أو الممثلات العالميات، ولا يعارض زوجها إقبالها على التاتو.

وتضيف دعاء أن هناك كثيرا من المناطق في مدينتها، لا ترغب بأن تدخل بناتها في تجربة التاتو أو عمل وشم للزينة على جسمها، فالأهل في الغالب لديهم فكرة غير صحيحة تجاه من تدخل إلى مركز التجميل لوضع التاتو أو الوشم.

تهميش للمرأة
وانحسر تطور المرأة في الوقت الحاضر على عدد قليل جدا، لا يكاد يذكر في بلدنا، عدا ما أبدعته بعض النساء المقيمات خارج العراق من إنجازات علمية وثقافية وعمرانية، نتيجة دعم حكومات تلك الدول لهن ولمنجزاتهن، بحسب ما تقول، الناشطة بمجال حقوق المرأة شذى القيسي للجزيرة نت.

التهميش والتجهيل كما تضيف القيسي، اليوم على أشده، ولا تزال هناك قيود قائمة على المرأة في كل المجالات، والوشم وغيره من عمليات التجميل التي انتشرت في السنوات الأخيرة شغل المرأة عن أمور كثيرة في حياتها الاجتماعية والمهنية، فهي تقضي أوقاتها بالاهتمام بمظهرها وتبتعد عن توعية نفسها بما وصلت إليه الحضارة من تقدم.

كما أن بعض القائمين بها يفكرون بالربح المادي، وهناك الأمراض بسبب التاتو مثل الإيدز الذي انتشر عبر الإبر الملوثة، وهناك نساء أصبن بالعمى بسبب تاتو العيون والحواجب، حيث لا تخضع المواد المستخدمة فيه للرقابة.

المصدر : الجزيرة