وكالة البلح.. يقصدها الجميع بسطاء ومشاهير

لا بد من الصبر لاختيار القطعة الأنسب ثم للتفاوض على سعرها (الجزيرة)
لا بد من الصبر لاختيار القطعة الأنسب ثم للتفاوض على سعرها (الجزيرة)

فريدة أحمد 

"وكالة البلح" أحد أشهر أسواق بيع الملابس المستعملة في العاصمة المصرية القاهرة، اعتاد البعض التسوق من شوارعه الضيقة، حيث يقتنص المحترفون قطع الملابس القيّمة بأسعار زهيدة، بعد فترة مطولة من التفاوض على السعر، مثل حال أي سوق شعبي.

لكن من لديه الجرأة ليعترف بأن ملابسه مستعملة؟ خاصة ممن ينتمون للطبقة المتوسطة التي تتسوق من السوق العتيق سرا.

ربما كان يحدث ذلك قبل سنوات، لكن التسوق من "وكالة البلح" اليوم أصبح أمرا عاديا، بعد ترويج بعض الفنانات لمسألة شراء الملابس البسيطة من الوكالة، مثل الممثلة الشابة يسرا اللوزي، والممثلة الصاعدة سارة عبد الرحمن التي ظهرت في مهرجان القاهرة السينمائي في دورته الأربعين بفستان سهرة مستعمل من "وكالة البلح".

تأسست وكالة البلح عام 1880، حين قرر 15 تاجرا من مصر وسوريا وفلسطين إنشاء السوق، وكانت في البداية تسمى سوق "الكانتو" وهي كلمة إيطالية تعني التجارة في الأشياء المستعملة، ومع الوقت تمت توسعته وزاد عدد التجار، وذاعت شهرته، ليصبح سوقا شعبيا.

وفي الثلاثينيات باع اليهود في السوق محالّهم، بعد أن مرت مصر بحالة ركود اقتصادي، وأخذت حينها الوكالة اتجاها في بيع الملابس المستعملة، واستمر بها هؤلاء التجار حتى الخمسينيات، ثم اشترت الوكالة عائلةٌ من صعيد مصر، ومن ثم تعددت محالّها، بحسب جريدة الأهرام.

ملابس مستعملة معروضة (الجزيرة)

ركود في الأسواق 
يعاني سوق الملابس في مصر من حالة ركود تام، الأمر الذي علق عليه رئيس شعبة الملابس الجاهزة بالغرف التجارية يحيى شفيق زنانيرى -في تصريحات صحفية عن الموسم الحالي- بأن السوق المصري يمر بحالة من الكساد الشديد، موضحا أن موسم "الأوكازيون"، هذا العام يعد من أسوأ المواسم في حركة البيع، وأن حالة الركود في عملية بيع الملابس الجاهزة جعلت التجار لا يستطيعون بيع 10% من حجم البضائع الموجودة في الأسواق.

وتقع وكالة البلح، في حي بولاق أبو العلا الشعبي، إذا كنت لا تُمانع في شراء الملابس المستعملة ستجد غايتك هناك.

الملابس المستعملة بالوكالة تكون مستهلَكة بشكل بسيط، تتراص على طاولات خشبية و"حوامل استانلس"، عادة تكون تلك الملابس المستعملة مباعة من أثرياء يسعون دائما إلى تجديد ملابسهم باستمرار، ويتم تنظيف هذه الملابس وكيها وتغليفها ليعاد بيعها من جديد.

تقول دينا محمد -مبرمجة- "لم أعد أجد ضيرا في شراء الملابس من وكالة البلح، فكل الملابس في أكبر المحالّ تُقاس من أشخاص مختلفين مرة واثنتين، وأنا في كل الأحوال أقوم بغسل الملابس الجديدة قبل ارتدائها".

التسوق من وكالة البلح ليس أمرا جديدا على دينا -حسب قولها- رغم انتمائها لأسرة متوسطة، يعمل والدها وكيل وزارة، وتسكن في حي المعادي الراقي.

وتحكي الفتاة ذات الـ 28 عاما "كنت أذهب لوكالة البلح قبل عشرة أعوام مع صديقاتي من الجامعة، لكن لم نكن نعلن ذلك بشكل صريح، لأنه سوق شعبي، حتى أقاربي لم أكن أتحدث أمامهم عن الوكالة، وكنت أشتري أغلب ملابس الجامعة من هناك بمبلغ لا يتجاوز خمسمئة جنيه (29 دولارا حاليا)، وحين يسألني أحد عن المكان الذي اشتريت منه أي قطعة من ملابسي أذكر اسم أكبر محال الملابس (المولات) في البلد".

وعبرت دينا عن ارتياحها للأمر بقولها "بعيدا عن المظاهر، الوضع الاقتصادي أصبح سيئا حتى بالنسبة للأسر الغنية، وأسعار الملابس أصبحت مبالغا فيها كثيرا، وكثيرا أذهب إلى المولات الكبرى وأجد الفستان العادي تخطى سعره الألف جنيه (نحو 56 دولارا)، في حين أنه يمكنني التسوق وشراء أكثر من قطعة من وكالة البلح وبالمبلغ نفسه".

البعض يحترفون اقتناص القطع المميزة وسط مئات القطع (الجزيرة)

للملابس القديمة أيضا 
لا تُعد الوكالة سوقا للملابس المستعملة فقط، ولكنها أيضا سوق للملابس الجديدة التي تحتوي على عيوب بسيطة وتُباع بأسعار رخيصة، كما تُتيح "الوكالة" شراء الملابس المُستوردة "البالة/ الكميات الكبيرة".

فتجد في الوكالة مُختلف الخامات، وتتراوح الملابس المعروضة هناك من الخامات المُتواضعة جدا والتي تُباع بأسعار تُناسب الطبقة الفقيرة حتى الخامات ذات الجودة العالية التي تناسب الطبقة المتوسطة.

التفاوض في الأسعار لا يجب أن يقل عن 50% -حسبما تقول سلمى سمير- "اشتريت ملابس مختلفة بدءا من التيشرتات (القمصان) القطنية التي لم يتجاوز ثمنها ثلاثين جنيها، واشتريت فساتين وبنطلونات لم يتعد سعر الواحد فيها مئة جنيه، حتى أنني اشتريت الشهر الماضي بالطو (معطف) صوف بمئتي جنيه، بعد أن طلب البائع فيه أربعمئة جنيه".

أقمشة وأحذية رياضية عالمية بأسعار زهيدة (الجزيرة)


ارتفاع الأسعار
تشعر سلمى (31 عاما) بارتفاع الأسعار في وكالة البلح التي كانت تتردد عليها منذ حوالي خمس سنوات، قائلة "قطعا الأسعار ارتفعت عما  قبل، كان ثمن التيشيرت (القميص) خمسة جنيهات، لكن منذ عامين تقريبا ارتفعت الأسعار بشكل مضاعف في الوكالة وأصبح التيشيرت (القميص) بثلاثين وأربعين جنيها، لا يكفيني اليوم ألفا جنيهٍ لشراء كل ملابس الموسم".

لكن سلمى، التي تعمل مُعلمة، ترى أن ارتفاع الأسعار في الوكالة أمر منطقي، موضحة "الأسعار في المجمل ارتفعت بشكل جنوني، البنطال (السِّرْوال) الذي أشتريه من الوكالة اليوم بمئة جنيه، يباع في المحالّ بأربعمئة جنيه"، مؤكدة أن "الوكالة"ما زالت الحل الأمثل والأوفر لمواجهة الغلاء.

على غرار دينا وسلمى، التسوق في "الوكالة" كان التجربة الأولى لـ"رضوى"، وعلى استحياء تقول "أقنعتني صديقاتي بالتسوق من الوكالة، دائما أسمع عنها أنها سوق شعبي، لكن وجدت موديلات راقية وأسعارا مختلفة".

وتكمل رضوى -التي تعمل مترجمة- "اشتريت خمس قطع ودفعت مئتي جنيه"، تضحك -وهي تقول- "أعتقد أني لأول مرة كنت الرابحة في الصفقة".

ولا يتوقف سوق وكالة البلح عن العمل يوميا، لكنه يزداد في المواسم والمناسبات، وتشهد حركة البيع فيه رواجا في الأعياد، يقول عاطف صديق -بائع في الوكالة- "الوكالة سوق جامع، يُرضي كل الأذواق والمقاسات، ويتميز بأن كل قطعة فريدة من نوعها لا تتكرر، لأن أغلب البضائع مستوردة لكن بأسعار بسيطة".

ويضيف صديق "لكن هناك أيام -مثل تلك الأيام- تهدأ فيها حركة البيع تماما ويصيب الركود الوكالة، ربما بدرجة أقل من الأسواق الأخرى، وأعتقد أن الوضع الاقتصادي الحالي يجعل الشخص يفكر -بالمقام الأول- في شراء الأكل ودفع المواصلات".

المصدر : الجزيرة