المحاكم العشائرية بسوريا.. عدالة مستمرة رغم ظروف الحرب

عشرات القضايا و الخلافات تم حلها بالمحاكم العشائرية في سوريا (الجزيرة)
عشرات القضايا و الخلافات تم حلها بالمحاكم العشائرية في سوريا (الجزيرة)

محمد الأسمر-إدلب

يجلس الشيخ أو "العارفة" بين مجموعة من الرجال المعروفين بنزاهتهم وصدقهم، ليتدارس معهم أمور القضية التي تقدم بها فريقن متخاصمان. يستمع إلى أقوال الطرفين ويستدعي الشهود لتسجيل شهاداتهم حتى يحيط بالقضية من جميع جوانبها قبل أن يطلق حكمه الذي سينهي هذه القضية إلى غير رجعة.

عشرات القضايا والخلافات يتم حلها بهذا الشكل ضمن المحاكم العشائرية التي لا تزال مستمرة في عملها رغم كل ظروف الحرب التي ضربت المنطقة.

في قرية دير سنبل "التابعة لقلعة المضيق" وعلى أطراف جبل "شحشبو"، يقيم الشيخ عوض الصالح الشيحان "مضافة" يقصدها المتخاصمون من كل منطقة لحل قضاياهم ضمن أعرافها.

تاريخ هذه المحكمة يعود إلى قرابة مئتي عام، حيث كانت تدار يومها من قبل "عارفة" المنطقة الشيخ محمد الشيحان، ثم تناقلها أولاده من بعده لتستقر عند الشيخ عوض الذي بدأ البت في قضاياها منذ شبابه.

الحياة المدنية والقضايا الجديدة
يقول الابن مروان عوض الشيحان "تعرض على هذه المحكمة كافة القضايا الجزائية وقضايا الأحوال المدنية والجنائية، ليقوم الشيخ بتشكيل لجنة من أهل الحل والعقد المختصين بهذا النوع من القضايا، وتبدأ بعدها مراحل دراسة القضية ثم الحكم فيها".

ويضيف الابن أن الطرفين المختصمين يوقعان -بعد إطلاق الحكم- على صك تحكيم عرفي صلحي يكون ساري المفعول أمام كل المحاكم الأخرى، في حين يلتزم كل طرف بإيجاد كفيل يضمن التزامه بتنفيذ بنود الاتفاق.

وقد بزغت تلك المحاكم ونالت شهرتها نتيجة إنصافها وحكمها بالحق بغض النظر عن أصحاب القضية المتخاصمين، وفق تعبير المتحدث نفسه.

‪المحاكم العشائرية في ريف حماة‬ (مواقع التواصل)

واعتاد كثير من المتخاصمين على حل قضاياهم ضمن تلك المحاكم منذ عقود طويلة، حيث يلعب مشايخ القبائل دورا واضحا في حل المشاكل التي تقع بين أبناء القبيلة الواحدة أو القبائل الأخرى.

ومع تقدم الأيام وتطور الحياة المدنية، ما زالت كثير من القضايا ترد إلى تلك المحاكم، مثل حالات الخلاف على الإرث والطلاق والخلافات الشخصية وغيرها.

تاريخ المحاكم العرفية
وعن تاريخ المحاكم العرفية في المنطقة، يقول الشيخ صفوت إسماعيل عرار الخالدي إن "تاريخ المحاكم العشائري يعود إلى آلاف السنين، وقد بنى العرار أول محكمة عرفية لهم في جبل شحشبو بعد خروجهم من الجزيرة العربية إلى هذه المنطقة".

وتعقد هذه المحاكم على أصول عرفية عشائرية لا تتنافى مع الشرع الإسلامي، وتعرض عليها كافة القضايا التي تخص الحياة العامة في المنطقة، لكن قضايا الدم والعرض تأخذ وقتا أطول من غيرها، بحيث تجمع المعلومات الكاملة عن القضية في مكان يعرف بـ"بيت الملم" أو "مدفن الحصى"، ويكون هذا المكان عند أحد الوجهاء الذي يبدأ بنسج الخيوط الأولية للقضية وربطها معا، قبل أن تنقل تلك المعلومات إلى "بيت المشد"، وهو بيت العارفة الذي سيدرس القضية بشكل مفصل ثم يعمل على انتقاء ثلاثة قضاة عُرف.

ويُبلّغ الطرفان المتخاصمان والشهود المختصون بالقضية بموعد الجلسة ليحضر الجميع، ثم تسمع أقوال المتخاصمين كل على حدة، بعدها يُخلى المكان للبت بالقضية بشكل نهائي، بحسب الخالدي.

المحاكم المدنية تستعين بالمحاكم العرفية
ويتابع الخالدي "لطالما استعانت المحاكم المدنية بالمحاكم العرفية في القضايا التي يستعصي حلها، ويكون دور العارفة إيجاد حل يرضي الطرفين المتخاصمين"، ويضيف "خلال سنوات الثورة ازداد عمل المحاكم العرفية نتيجة غياب الدولة، وأثبتت تلك المحاكم كفاءتها بحل الكثير من المشاكل".

وواجه الكثير من أصحاب القضايا صعوبة كبيرة في الوصول إلى حل مرضٍ مع خصومهم، وبعضهم تأجلت قضاياه سنوات طويلة في المحاكم المدنية وهو ما دفعهم إلى اللجوء لأحد المحاكم العشائرية وحل الخلاف فيها.

نزال أبو حسام واحد من عشرات الوافدين إلى المحاكم العشائرية بهدف حل خلاف بينه وبين شخص آخر حول ملكية أرض، بعد أن يئس من الوصول إلى حل لقضيته في محاكم الدولة، حيث مضى على القضية قرابة 15 عاما دون حل.

يقول نزال "ما عجزت عن حله محاكم الدولة على مدى سنوات عديدة تمكنت المحكمة العشائرية من حله خلال نصف شهر، حيث اتفقت مع خصمي على التقاضي في تلك المحكمة للفصل بيننا، وبعد أيام توصلنا لاتفاق يرضي الطرفين ويعطي كل ذي حق حقه".

‪أحيانا تستعين المحاكم المدنية بالمحاكم العرفية في القضايا التي يستعصي حلها‬ (مواقع التواصل)

المحاكم العشائرية لا تتقاضى رسوما

يقول أبو حسام "لا تتقاضى المحاكم العشائرية أي رسوم أو غرامات لقاء خدماتها"، فقد اعتادت على هذا العمل منذ سنوات طويلة، وصاحب الحق الذي يلجأ لتلك المحاكم سيحصل على حقه بغض النظر عن صفة المدعي أو المدعى عليه.

ولعبت المحاكم العشائرية دورا مهما في فض النزاعات وحل الخصومات التي نشأت بين أفراد المجتمع خلال سنوات الثورة السورية.

ويتركز عمل تلك المحاكم اليوم في منطقة جبل "شحشبو"، حيث توجد عدة مضافات تستقبل تلك القضايا، في حين تراجع عمل مضافات ريف إدلب وحماة الشرقي بعد سيطرة قوات النظام السوري على المنطقة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

تؤرق الإحصائيات الأخيرة بالكويت المختصين من باحثي علم النفس والاجتماع، إذ تعكس نموا ملحوظا في حالات الطلاق في المجتمع الكويتي لاسيما في السنوات الأولى من الزواج.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة