حفلات زواج بسيطة بين أحضان الطبيعة بدل قاعات الأفراح بتونس

العائلات التونسية تولي اهتماما لا حد له للاحتفال بالزفاف (الجزيرة)
العائلات التونسية تولي اهتماما لا حد له للاحتفال بالزفاف (الجزيرة)

مجدي السعيدي-تونس

قبل زفاف ابنتها "رانية" بأشهر معدودات، بدأت "شهلة" ككل الأمهات في تونس تدخر قليلا من المال للاحتفال بدخول ابنتها عش الزوجية، وانطلقت في إعداد مراسم الزواج وفق ما تقتضيه العادات في منطقة عين دراهم بمحافظة جندوبة.

لكنها ذهلت عندما أعلمتها ابنتها أنها اتفقت مع خطيبها إسكندر على إقامة حفل بسيط يدعى إليه عدد قليل من أفراد العائلة والأصدقاء ويعقد خلاله القران داخل ضيعة فلاحية بعيدا عن بهرج قاعات الأفراح وحفلات الموسيقى الصاخبة.

لم تكن الأم تعتقد للوهلة الأولى أن ابنتها جادة في كسر التقاليد والأعراف التي نشأت عليها العائلة في مناسبات الزواج، كانت تمني النفس أن تتخضب يدا "رانية" بالحنّاء و"الحرقوس" وأن ترتدي أكثر من فستان واحد في السهرة وتوشح جيدها بالمجوهرات، ولكنها رضخت للأمر الواقع على مضض، بعد أن تيقنت أن الفكرة أضحت قناعة محسومة بين الخطيبين.

ضغط على التكلفة
لا تبدو قصة رانية وإسكندر اللذين تزوجا حديثا في حفل بسيط داخل ضيعة فلاحية، وبطريقة بسيطة خلت من الطقوس الكلاسيكية، سوى مثال من قصص عدة لتونسيين استهوتهم طريقة إحياء زفافهم في المناطق الخضراء فارتموا في أحضان الطبيعة ببدلات الزفاف وفساتين ليلة العمر، لا فقط هربا من التكاليف المجحفة للحفلات داخل قاعات الأفراح الفاخرة وإنما كسر الاحتفالات النمطية التي تكاد تكون من المسلمات لدى العائلات.

وجد إسكندر وعروسه صعوبة كبيرة لإقناع عائلتيهما بأنهما اختارا شكلا بسيطا لإحياء ليلة العمر، ولكن المفاجأة كانت مذهلة بعد عقد القران إذ نالت تك الطريقة استحسان من عارضها سابقا ووجدت صدى الإعجاب عبر منصات التواصل التي تناقلت صور الزوجين يمشيان مختالين في المسالك الوعرة بدل البساط الأحمر.

إسكندر ورانية احتفلا بزفافهما داخل ضيعة طبيعية وقضيا شهر العسل بإحدى غابات عين دراهم الجبلية (الجزيرة)

تولي العائلات اهتماما لا حد له للاحتفال بالزفاف، وتشهد هذه المناسبة إنفاقا يصل حد البذخ لدى العائلات الميسورة والمعوزة على حد سواء، وخاصة أهل العروس الذين يعتبرون أن الزواج مناسبة للإسراف في البهجة وإظهار مكانة العائلة ومؤشرا لسعادة ابنتهم بعد الزواج.

ورغم التباين الشديد في طرق الاحتفال وطقوسه بين الجهات فإن تكاليف إعداد بيت الزوجية تبدو باهظة وتتراوح بين ثلاثين وخمسين ألف دينار (من عشرة إلى عشرين ألف دولار).

كما ارتفعت أسعار مستلزمات الزفاف مثل المصوغات ومأدبة العشاء وتكاليف تسويغ فضاءات حفلات الأعراس والتي لا تقل عن ثلاثة آلاف دينار، في حين تصل في بعض النزل الفاخرة عشرة آلاف دينار (3325 دولارا).

ودفعت التكاليف المرتفعة العديد من الشبان المقبلين على الزواج إلى اختراق النمط التقليدي والخروج عن المألوف بإقامة حفلات بسيطة لا بذخ فيها ولا إسراف لتفادي إثقال كاهلهم بالنفقات، غير أن إسكندر الرقيق يعتبر أن الأمر لا يتعلق بالضغط على الكلفة المادية بقدر ما هو أسلوب في الحياة تعود عليه حتى قبل تفكيره في الارتباط بفتاة أحلامه "رانية".

يقول إسكندر للجزيرة نت "بحكم عملي ورانية في تنظيم الرحلات في المناطق الطبيعية، استهوتنا فكرة إقامة حفل الزفاف وسط الطبيعة، وتم عقد القران وإقامة حفل لم تتجاوز مدته ساعة داخل ضيعة بمنطقة عين دراهم، وبحضور القليل من المدعوين."

ويضيف أن خطيبته تولت إعداد فقرات الحفل حيث غابت الحلويات وتناول المدعوون طعاما بسيطا قبل أن ينطلق الزوجان مع عدد من أصدقائهما إلى رحلة طبيعية وسط الغابات ثم يقضيان شهر العسل في أحضان الطبيعة وبين مغاور الجبال.

د. الجويلي: هذا النوع من الاحتفالات يظهر مدى استقلالية قرارات العروسين (الجزيرة)

خروج عن السائد
ويعترف العروسان أنهما وجدا صعوبة في البداية لإقناع العائلة بتلك المراسم البسيطة والمتمردة على العادات، ولكنهما لم يلقيا بالا للانتقادات التي صدرت عن البعض، إذ تقول رانية "رفضت والدتي أن أتمرد على التقاليد العائلة خوفا من ألسن الناس، ولكن قناعاتي وزوجي كانت راسخة بأن السعادة لا تظهر في البذخ واستعراض الإنفاق بقدر ما تكمن في البساطة، لم أتمرد على الطقوس الأساسية للزفاف ولكننا نعشق الطبيعة".

وأعدت رانية جهاز زواجها بأمتعة ومقتنيات قليلة الثمن ولكنها رائعة، إذ كانت سعادتها مضاعفة وهي تلمح آيات الإعجاب على وجوه المدعوين وفي تفاعلات مواقع التواصل، كما استلهمت بعض صديقاتها وقريباتها تلك الطريقة للإعداد لزفافهن وفق قولها.

وانتشرت السنوات الأخيرة ظاهرة إقامة حفلات زواج بسيطة يستغني فيها العروسان عن عديد الطقوس التي كانت إلى زمن غير بعيد من المقدسات، ولكنها بدأت تندثر بسبب ارتفاع تكاليف العيش وتدهور الأوضاع الاقتصادية.

من زاوية علم الاجتماع، يرى د. محمد الجويلي أستاذ علم الاجتماع بالجامعات التونسية أن تفشي هذا النوع من الاحتفالات غير المألوفة نابع من رغبة الزوجين في اكتساب ثقافة فردانية تنأى بهذه المناسبة عن الطابع الجماعي لتصبح أمرا خاصا بالعروسين دون غيرهما.

ويقول الجويلي للجزيرة نت "هناك رغبة في جلب الانتباه أيضا، الأمر لا يتعلق بالضغط على التكاليف وإنما يظهر مدى سعي العروسين إلى استقلالية قراراتهما والانعتاق من رقابة الجماعة من جهة وبحثا عن الظهور والإثارة ورفض السائد من العادات".

المصدر : الجزيرة