"تبنوا شجرة".. مبادرة بيئية تستوطن المدينة الحمراء

سارة الكادي المسؤولة الإعلامية لجمعية أدار ماروك خلال عملية زرع شجرة في المبادرة البيئية "تبنوا شجرة" (الجزيرة)
سارة الكادي المسؤولة الإعلامية لجمعية أدار ماروك خلال عملية زرع شجرة في المبادرة البيئية "تبنوا شجرة" (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

في جو ربيعي يقف الخبير المغربي في المناخ والبيئة بوكالة الفضاء الأميركية (ناسا) الهواري بونوا ليساعد الطفلة زينة من أجل غرس شتلة جديدة في ساحة ثانوية القدس الإعدادية بمدينة مراكش.

‪طالبة خلال عملية رمزية لزرع شجرة‬ (الجزيرة)

أنا أحب شجرة
يقتسم هذا العالِم مع التلاميذ، وعلى أنغام أنشودة المدارس المعروفة "أنا أحب شجرة"، فرحة بداية مشروع واعد يتبنى فيه كل مواطن شجرة يحفها بكل الرعاية اللازمة.

يقول بونوا -وهو يبدو مثقلا بهم علمي وبيئي كبير للجزيرة نت- "لا يمكن أن نتغافل عما يقع ويمكن أن يقع على هذه الأرض نتيجة الاحتباس الحراري، إننا نعتمد على هؤلاء الناشئة لنقل رسالة إلى كل المسؤولين في العالم، عبر الانتقال من التفكير إلى الفعل".

‪الخبير في وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) البروفيسور الهواري بونوا‬ (الجزيرة)

تبنوا شجرة
"تبنوا شجرة" أو "أدار ماروك" جمعية مغربية اشتقت اسمها من جمعية أميركية، دشنتا أول مشروع لهما في مارس/ آذار الجاري بمدينة مراكش انطلاقا من مؤسسة عمومية.

ويوضح رئيس فرع "أدار ماروك" البروفيسور محمد مسولي -للجزيرة نت- أن اسم الجمعية المغربية يدل على نشاطها، حيث تهدف إلى "ربط علاقة تكافل متينة بين الإنسان والنبات، بدلا من أن يصبح التشجير حملة عابرة فقط".

من جانبه يقول بونوا -بصفته رئيسا لجمعية "أد تري" بالولايات المتحدة الأميركية- "هي ثقافة جديدة في التطوع، فبإمكان كل محسن أن يتبرع لأجل شراء شجرة، تمنح لطفل لغرسها والعناية بها سواء في حديقة منزله أو حديقة حيّه أو بمدرسته".

‪أستاذة تساعد تلميذة في زرع شجرة تكفلت بها‬ (الجزيرة)

أشجار توفر الماء
تسكب زينة الماء على غرسها الجديد وسط تصفيق الأساتذة والخبراء، ومنظر القطرات -وهي تمتزج باللون الأخضر- يشعرها بفرحة غامرة.

ويؤكد مسولي أن الماء ضروري جدا، ومع الشح فيها، فإن تبني شجرة يستند إلى معايير علمية دقيقة.

ويضيف أن خبراء الجمعيتين يسعون لاستعمال تقنية في الري وفي اختيار نوع من الأشجار يوفر الماء بحوالي 90%.

وتشير المسؤولة الإعلامية لـ"أدار ماروك" سارة الكادي – في حديثها للجزيرة نت- إلى أن مدينة مراكش تفرض نفسها نقطة بداية لمشروع كبير باعتبار تاريخها الطبيعي، فقد عرفت دائما بنخيلها، ومزارعها الممتدة وحدائقها الفاتنة.

وتطمح الجمعيتان بتعاون من جميع المصالح المختصة إلى أن تبقى المدينة الحمراء خضراء – حسب الكادي- لكن المعول عليهم أولا هم المواطنون أنفسهم وكل من يحب هذه المدينة الجميلة من زوارها.

‪خلال عملية زرع رمزية لشجرة‬ (الجزيرة)

تناقص الغلاف الأخضر
تعود فكرة الجمعية الأميركية إلى سنة 1998 عندما كان البرفيسور بونوا طالبا، شغلته القضية البيئية طيلة مساره الدراسي والعلمي وقادته أبحاثه الكثيرة إلى خطر تناقص الغلاف الأخضر.

وهو يطمح إلى غرس مئة مليون شجرة في كل شمال أفريقيا، بعد تأسيس فروع بها انطلاقا من مراكش، ومرورا بمدن المغرب وتونس والجزائر وليبيا ووصلا إلى حواضر مصر.

ويعتبر أن مدن هذه البلدان تواجه المصير ذاته بشأن الاحتباس الحراري، موضحا أن إطلالة خاطفة على خرائط الأقمار الصناعية لتطور الغلاف الأخضر بها خلال العقود الأخيرة تظهر مدى التدهور الذي لحقه.

‪أستاذ العلوم النباتية يساعد تلميذة في زرع شجرة تكفلت بها‬ (الجزيرة)

جودة الحياة
يشرح بونوا -في حوار علمي مع التلاميذ- أن أول ما يقوم به الإنسان عند إصابته بالمرض هو محاولة خفضه درجة الحرارة للدفاع عن نفسه. هي الحرارة نفسها العامل الرئيس في التوازن البيئي، وارتفاعها في المدن عبر النشاط الحضري يزيد من تدني جودة الحياة.

يبتسم بونوا راضيا وهو يتلقى أجوبة الأطفال، فهم يعرفون عن الشجرة أنها تنقي الهواء بامتصاص ثاني أكسيد الكربون، وتنتج الأكسجين والمواد العضوية، كما تلطف حرارة الجو وتمنح الظل وتؤوي الطيور، ولها قيمة اقتصادية أيضا.

ويؤكد بونوا "من المهم جدا أن ينتقل الناشئ من العلم بالشيء إلى جعل ما تعلمه فلسفة حياة، فذلك ما يمنح الأفكار الاستمرار ويجعلها ملتصقة بالواقع".

ويصرح بدوره أستاذ الإيكولوجيا النباتية بجامعة القاضي عياض أحمد أوهمو -للجزيرة نت- أن الشجرة تأخذ قيمتها مع الوقت، وتصبح تراثا محليا تؤرخ للمكان ولأنشطة الناس وظروف حياتهم.

‪أستاذ يساعد تلاميذ في زرع شجيرات تكفلوا بها‬ (الجزيرة)

الطفل العملاق
حين يتحدث بونوا، تكون عبارة "الطفل العملاق" أكثر ما يشد الانتباه، وتدور حولها العديد من الأسئلة. ذلك الوصف يحبه كثيرا، فهو يعني أن النشء يمكن أن ينجز في سنوات ما قد تعجز عنه مؤتمرات الأمم المتحدة في عقود.

قبل أيام ألقى بونوا محاضرة في الموضوع بكلية العلوم شدت إليها الأنظار، قبل أن يقوم بعملية رمزية لزرع شجرة بها. لكن في خطابه مع أطفال المدارس يمزج بين الحديث إلى العقل والحديث إلى الوجدان، ويعول هذا العالم عليهم من أجل "العناية بالشجرة التي خلقها الله لحكمة عظيمة".

ويعتقد أن "الطفل العملاق" قادر، بالتربية وحدها وبتجربة غرس الاشجار أن يؤثر إيجابا في الطبيعة بعيدا عن كل حسابات الدول السياسية.

‪صورة جماعية لتلاميذ بعد زرع أشجار بمدرسة عمومية‬ (الجزيرة)

تبرع وتشجيع
تستمر الأجواء العلمية في ثانوية القدس الإعدادية بارزة طيلة تلك الصبيحة، يتسابق التلاميذ للإعلان عن تبنيهم شجرة. الفرحة الكبيرة التي تطير من عيونهم وهم يقابلون عالما من "ناسا" تظهر مدى اهتمامهم بالحدث.

وتوضح الكادي أنهم في البداية، وكل عمل ناجح يحتاج إلى تحفيز، مشيرة إلى أن جائزة سنوية ستمنح لكل متكفل استطاع أن يحقق الهدف، ويمكن متابعة الأمر حسب الوسائل المعلوماتية الجديدة.

فيما يؤكد أوهمو الأدوار الكبرى لعملية التشجير في منح الحياة رونقها وأن غرسها في عقول الناشئة، سيجعلها محبوبة لديهم، ويسعون للحفاظ عليها بل ويحتضنونها ويتكفلون برعايتها.

ويبرز هذا الأكاديمي أن هذه العملية لا يمكن أن تنجح دون أن تصبح حركة مستمرة في المكان والزمان ينقلها جيل إلى جيل في عملية تنمية مستدامة.

‪تلميذ وتلميذة يزرعان شجيرات تكفلا بها‬ (الجزيرة)

 
المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة