المزود.. موسيقى شعبية توحد مشاعر التونسيين

محمد علي لطيفي امين العيادي يمسك الة االمزود التي اعتادت مرافقته إلى الحفلات والأفراح الشعبيّة -
العيادي يمسك آلة المزود التي اعتاد اصطحابها في الحفلات والأفراح الشعبية (الجزيرة)

محمد علي لطيفي-تونس 

بعينين مغمضتين تماهيا مع أصوات الموسيقى التي تبعثها آلته يمسك أمين العيادي المزود (عبارة عن كيس مصنوع من الجلد) تحت إبطه، ضاغطا على الجوانب بذراعه، ليصدر دفعة هواء داخله يتحكم في لحنها عبر سد بعض الثقوب المحدثة عمدا في الآلة، وكشف أخرى بأصابع يده التي تتراقص بحركات رشيقة اعتادت بعث الأنغام.

يضم أمين الكيس إلى صدره بقوة كأنه يتمسك بآخر ما يملك، وينفخ بشكل متواصل، حيث تتواصل حركات أصابعه على المزمار، ليأخذ بين الحين والآخر نفسا من الهواء، يعود بعده مباشرة إلى النفخ دون أن ينقطع الصوت المنبعث من آلته التي اعتاد اصطحابها في الحفلات والأفراح الشعبية. 

‪العيادي: آلة المزود‬ جزء من روح العازف(الجزيرة)‪العيادي: آلة المزود‬ جزء من روح العازف(الجزيرة)

أمين الذي تربي في أحضان حي التضامن -وهو أحد أكبر الأحياء الشعبية في أفريقيا الذي يعشق سكانه المزود- اهتم كثيرا منذ صغره بهذا النوع من الموسيقى، ومنذ انقطاعه في سن مبكرة عن الدراسة قرر أن يتحدى الظروف ويسند نفسه بنفسه، فاختار أن يتعلم العزف على آلة المزود وسط العاصمة على يد أكبر العازفين.

وشيئا فشيئا أصبح المزود الجزء الأهم من حياته، إذ لا يستطيع التخلي عنه منذ التحاقه بإحدى أهم الفرق الموسيقية بعد سنوات طويلة من الكفاح والجهد، فقد وجد فيه الحنين إلى بيت الأجداد في القرية، ولمس فيه الإحساس الذي لا يستطيع ترجمته بالكلام، خاصة حين يرافقه الإيقاع الجميل الذي يلامس وجدان الحاضرين.

يقول أمين العيادي للجزيرة نت إن آلة المزود -التي تلازمه أينما ذهب- واحدة من الآلات التي تحظى بأهمية كبيرة في الأوساط الشعبية والأوساط الفنية في تونس وحتى في الأوساط الراقية، ويضيف وهو ينظر إليها بعين العاشق "إنها فعلا جزء من روح العازف".

‪المزود يتوسط آلات موسيقية في أحد دكاكين العاصمة‬ (الجزيرة)‪المزود يتوسط آلات موسيقية في أحد دكاكين العاصمة‬ (الجزيرة)

أمين اعتاد شأنه شأن العديد من العازفين شراء آلة المزود أو كما يحلو له أن يسميها "رفيقة الدرب" من أزقة شوارع باب سويقة الشهيرة بدكاكين الفنون الشعبية، حيث تعلق آلات الموسيقى القديمة للعرض، ويعد المزود أهمها، كما يعتبره أصحاب هذه الدكاكين الصغيرة مصدر فخر، وموسيقاه هي المفضلة لأسماعهم.

في هذه الأحياء الشعبية، يؤكد أغلب الباعة الذين سألناهم أن المزود كان وما زال فنا لا يحلو السهر من دون سماع أنغامه، فالآلة تحظى بمكانة خاصة في أوساطهم الشعبية، ويعتبرونها مصدرا للموسيقى التي "تفجرت من قلب أحيائهم الشعبية بمواويلها الطويلة الحزينة التي تترك أثرا في النفس لا يمحى".

ويقول سيف المالكي -وهو صاحب أحد محلات بيع المزود- في باب سويقة للجزيرة نت عن آلة المزود إنها تتألف من أنبوبين من القصب مقرونين يشكلان الجزء النغمي حين تخترقهما السبابتان، وتمر باقي الأصابع على الثقوب الخمسة أو الستة المحدثة فيها يعلوها قرن خروف ويحلق أسفلهما خزان من الجلد.

من جهته، يؤكد البائع فتحي الفيتوري للجزيرة نت أن المزود آلة قديمة مرتبطة بثقافة تونس الشعبية وتقاليدها، وأن الإقبال على شرائها يرتفع بشكل ملحوظ في فصل الصيف الذي يتزامن مع موعد الأفراح والأعراس، مشيرا إلى أن المزود يعد مصدر رزق للكثير من عازفيه وصناعه وتجاره.

‪فتحي الفيتوري: الإقبال على شراء المزود يرتفع في فصل الصيف موسم الأفراح والأعراس‬ (الجزيرة)‪فتحي الفيتوري: الإقبال على شراء المزود يرتفع في فصل الصيف موسم الأفراح والأعراس‬ (الجزيرة)

وتحظى موسيقى المزود بمكانة مهمة بين الأوساط الشعبية، وتعتبر إلى حد ما الوسيلة التي توحد التونسيين في جميع المناسبات، وكل أغنية تعبر عادة عن قصة مأساوية يتم التصرف فيها لاحقا، وقد يصنع منها لحن فرح.

وصارت هذه الآلة لغة تحرك وجدان محبي هذا الفن الشعبي في السهرات التي تقدمها فرق المزود والتي يطلق عليها في التداول اللفظي الشعبي "الربوخ" أو "المحفل" أو "اللمة"، إذ تختلف قضايا أغانيه بين حب الأم وجراح الإهمال أو الخيانة والهجر والحبيبة والفقر وعديد القضايا الاجتماعية والسياسية.

‪المزود يعد مصدر رزق للكثير من عازفيه وصناعه وتجاره‬ (الجزيرة)‪المزود يعد مصدر رزق للكثير من عازفيه وصناعه وتجاره‬ (الجزيرة)

يقول الباحث في التراث الثقافي اللامادي عبد الرحمن أيوب للجزيرة نت إن المزود من الآلات الموسيقية الهوائية التي انتشرت أكثر في الريف وفي الأحياء الشعبية، وإن لها رمزية تاريخية في التراث الشعبي، لافتا إلى أن هذا الفن سجل حضوره في جميع الأفراح التونسية دون استثناء.

يفتح أمين العيادي عينيه، وتهدأ أنامله السحرية بحركة انسيابية عجيبة كأنها تعلن عودته من خياله إلى واقع حياته، فهو يدرك أن المزود ليس مجرد كيس جلد كما يسخر منتقدو هذا الفن، بل هو إحساس جميل يعالج قضايا جماهير واسعة.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

منيرة حجلاوي_القشابية القليبية يدوية الصنع مائة بالمائة_نابل-قليبية_خاص الجزيرة نت

تعد القشابية الرجالية التونسية التقليدية بطربوشها الكبير ذات اللون البني مصدر دفء للكثيرين، خاصة لسكان المناطق الجبلية والريفية الذين يواجهون بها قسوة الطبيعة والمناخ الجاف والبارد.

Published On 1/2/2019
بدرالدين الوهيبي - خالتي مباركة -المنيهلة- تونس -العاصمة

تعيش خالتي مباركة حياة مفعمة بالحركة والسفر رغم تقدّمها بالعمر، لا تحفظ جدول أعمال ولا تعرف محطّتها القادمة، تحفظ تراث أجدادها، وبيدها حزمة إكليل تجعلها امرأة تغني فيشتاق لها الجبل.

Published On 10/2/2019
جناح نور المعضادي يشهد اقبالا كبيرا من الزوار

يحتفي معرض الدوحة للمجوهرات والساعات بتصاميم المصممات القطريات وعرضها إلى جانب المجموعات العالمية المرموقة، في إطار مبادرة أطلقها المنظمون دعما للمواهب التي تطمح للعالمية. ثلاث مبدعات شابات يروين حكايات مجوهراتهن.

Published On 25/2/2019
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة