كيف تتحول صناديق البضائع إلى "أنتيكا" في غزة؟

أخشاب صناديق البضائع حل مثالي بسبب عزوف الفلسطينيين في غزة عن شراء الأثاث نتيجة ظروفهم الاقتصادية الصعبة (الجزيرة)
أخشاب صناديق البضائع حل مثالي بسبب عزوف الفلسطينيين في غزة عن شراء الأثاث نتيجة ظروفهم الاقتصادية الصعبة (الجزيرة)

حنين ياسين-غزة

يتناغم المظهر العتيق لمقاعد يصبغ خشبها لونه الطبيعي مع إضاءة خافتة ترسم مشهدا كلاسيكيا يضفي عليه صوت المطربة أم كلثوم جمالا يجذب من يفضلون قضاء وقتهم في أماكن تنقلهم إلى أيام الأبيض والأسود.

تلك الأجواء رسمها الفلسطيني ممدوح أبو حصيرة في مقهاه بمدينة غزة، معتمدا على المقاعد والديكورات المصنوعة من أخشاب صناديق البضائع فقط، لما تحظى به من مظهر كلاسيكي مميز وثمنها الزهيد.

وبات الفلسطينيون في قطاع غزة يعتمدون على أخشاب صناديق البضائع في صناعة أنواع مختلفة من الأثاث الفاخر، فمظهرها مميز وأسعارها زهيدة، مقارنة بالأخشاب المستوردة التي تفرض إسرائيل قيودا على توريدها للقطاع.

‪خشب صناديق البضائع رسم مظهرا كلاسيكيا جميلا للمقهى مما جعله مميزا‬ (الجزيرة)

مظهر كلاسيكي جميل
ويتناثر رذاذ مياه البحر الذي تحمله نسمات الهواء الغربي المشبعة بالرطوبة على المقاعد والأرضية الخشبية للمقهى الملاصق للشاطئ، مما يجعل خشب الصناديق القوي الحل الأمثل لمواجهة هذه الظروف.

ويقول أبو حصيرة (42 عاما) للجزيرة نت إن خشب صناديق البضائع رسم مظهرا كلاسيكيا جميلا للمقهى، مما جعله مميزا، كما أنه يتحمل ظروف المناخ، مثل رذاذ المياه في فصل الشتاء وحرارة الشمس في الصيف.

وتمكن الشاب الفلسطيني -كما قال- من توفير نحو 35% من تكلفة تجهيز المقهى بفضل اعتماده على هذا النوع من الأخشاب.

‪تحويل صناديق البضائع إلى أثاث يتطلب جهدا كبيرا وحرفية عالية ولمسات غير تقليدية من ورش النجارة‬ (الجزيرة)

ديكورات أشبه بمنحوتة فنية
مقهى أبو حصيرة ليس وحده من حظي بذلك النوع من الجمال؛ فالآلاف من الفلسطينيين بغزة -خاصة حديثي الزواج- لجؤوا لهذه الأخشاب لتأثيث منازلهم وتزيينها، ومن بينهم الشاب محمد سعيد الذي صنع ديكورات منزله ومكتبته الخاصة من خشب صناديق البضائع.

ومنح التصميم البسيط للديكور في منزل "سعيد" لمسة جمال غير تقليدية؛ فألواح الخشب المتلاصقة المطلية باللون البني الداكن والمعلقة على السقف والأعمدة بشكل متناسق تحول الغرفة لما يشبه قاعات القصور القديمة.

مكتبة "سعيد" أيضا صممت من الخشب ذاته بعد أن نجح النجار الذي صنعها في تطويعه، ليصنع منه شكلا حلزونيا غلفه بقشرة من خشب الزان الطبيعي المطلية بلون بني محروق لتتحول لمنحوتة فنية أنيقة.

لمسات غير تقليدية
وتزدحم واجهات متاجر الأدوات المنزلية والمكتبية في مدينة غزة بقطع أثاث فاخرة مصنوعة من أخشاب صناديق البضائع، وتشهد إقبالا كبيرا عليها، بحسب ما ذكره عدد من أصحاب هذه المتاجر للجزيرة نت.

ويقتني تلك القطع من يفضلون أثاث "الأنتيكا" الذي يمنح بيوتهم لمسة من جمال الماضي، أو من لا يستطيع دفع مبالغ كبيرة لتجهيز منازلهم أو مكاتبهم.

وخلف كواليس هذه القطع الخشبية الجميلة يكمن الكثير من العمل والغبار والمسامير العالقة صعبة الاقتلاع، فتحويل صناديق البضائع إلى أثاث يتطلب جهدا كبيرا وحرفية عالية ولمسات غير تقليدية من ورش النجارة.

أدهم أبو الخير (33 عاما) واحد من نحو مئتي نجار في غزة يستخدمون هذا النوع من الأخشاب في أعمالهم، خاصة أنه نفض الغبار عن آلات ورشهم التي عطلتها سنوات الحصار الإسرائيلي للقطاع.

وتتناثر ذرات الغبار في منجرة "أبو الخير"، ولا تسمع إلا أصوات اقتلاع المسامير وضرب المطارق في اليوم الذي يخصصه لتفكيك الصناديق التي يحصل عليها من مخازن البضائع الضخمة أو يحضرها له زبائنه.

خلف كواليس هذه القطع الخشبية الجميلة يكمن الكثير من العمل والغبار والمسامير العالقة صعبة الاقتلاع (الجزيرة)

رسم التصميم الهندسي
وبعد تفكيك هذه الصناديق يبدأ "أبو الخير" -الذي تحدث عن التفاصيل الدقيقة لهذه الصناعة للجزيرة نت- رسم التصميم الهندسي لقطع الأثاث التي ينوي صنعها على الورق، قبل أن يبدأ نحت وجه الأخشاب بالفأرة وقصها وتجميعها.

ولا تنتهي مراحل صناعة الأثاث هنا، فبعد تجميع الأخشاب تتم تغطية الأجزاء المتضررة منها بفعل استخدامها السابق، بعجينة خاصة قبل طلائها بمادة شفافة لامعة، أو بطلاء بني يمنحها مظهرها العتيق.

وفي مرحلة متطورة من هذه الصناعة المبتكرة قد يتم تغليف قطع الأثاث بقشرة رقيقة من خشب "الزان" أو "الجوز" لتعطيه مظهرا أكثر حداثة.

ورش النجارة حل بديل
وتحقق هذه الصناعة لورش النجارة -وفق "أبو الخير"- دخلا يتراوح بين ثلاثمئة وخمسمئة دولار شهريا، بعد فترة ركود طويلة عاشوها بسبب عزوف الفلسطينيين في غزة عن شراء الأثاث بسبب ارتفاع أسعاره وظروفهم الاقتصادية الصعبة.

وتفرض إسرائيل حصارا على قطاع غزة منذ سيطرة حركة المقاومة الإسلامية (حماس) عليه في يونيو/حزيران 2007، وتقنن بموجبه دخول مئات الأصناف من البضائع، ومن بينها الأخشاب، مما أدى إلى تضاعف ثمن هذه البضائع.

ووفق بيانات صادرة عن الأمم المتحدة عام 2017، فإن 80% من الفلسطينيين في قطاع غزة يعتمدون على المساعدات الإنسانية.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

أخذت الشابة مريم غانم زمام المبادرة في تصميم الديكور المنزلي. الذي يعود لزمن السبعينيات. تشد نظرك قطع الأثاث المزخرفة بالخط العربي، وصور لفنانين كفيروز وعبدالوهاب صممت ببصمات خاصة.

تتقن خديجة (40 عاما) صناعة عرائس الطين منذ صغرها، فقد وجدت الجدة والأم تمارسان هذه الحرفة، وكانت تداعب بأناملها الطين لتعرف نشوة الإبداع رغم غرابة مجسماتها في تلك السن.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة