العم طيب موزع هاتف.. ظلمة البصر منحته نور البصيرة

العم طيب يمارس عمله بمحبة وسعادة فزاده ذلك بصيرة القلب (الجزيرة)
العم طيب يمارس عمله بمحبة وسعادة فزاده ذلك بصيرة القلب (الجزيرة)

حياة بن هلال-تونس

من تربيتنا الدينية بات راسخا في أذهاننا أن عمى البصر ليس أشد وقعا من عمى البصيرة، وقصة التونسي العم طيب الخمسيني الكفيف تعتبر خير دليل على ذلك، حيث إنه يعمل موزع هاتف في مقر بلدية بني خداش بمحافظة مدنين التونسية منذ ربع قرن تقريبا دون تذمر.

يخرج العم طيب من منزله الكائن في قريته التي تبعد قرابة عشرة كيلومترات عن مقر عمله في الصباح الباكر، ينتظر وسيلة نقل خاصة أو يوقف إحدى السيارات المتجهة إلى وسط المدينة فيستقلها ويصل إلى عمله في الموعد تماما.

يتحسس جيبه ليدفع ثمن الرحلة، ثم ينزل ويشق طريقه الذي اعتاده مستعينا بعصاه التي يعتبرها خير دليل له ويقول إنها عيناه اللتان لا تريان النور.

ولد العم طيب ببصر ضعيف عانى منه الأمرين في طفولته إلى أن فقده تماما نظرا للفقر الذي كان يعيشه وجل أبناء قريته وانعدام المنشآت الطبية فيها.

‪العم طيب يتحسس الطريق بعصاه خوف الارتطام بشيء محافظة‬ (الجزيرة)

تفان وإخلاص
وهو في عقده الثالث التحق بمقر البلدية (مؤسسة إدارية تابعة للدولة) ليعمل موظف استقبال منذ 25 عاما، يقول إنها مرت بسرعة البرق، وإنه سعيد بعمله طوال تلك الفترة، و"إن العمل يطيل الأعمار" حسب قوله.

شهادة الجميع مجروحة بإخلاص طيب وتفانيه في عمله، فهو دؤوب ونشيط، هكذا وصفه رئيس البلدية عمارة عطية الذي أكد للجزيرة نت أن إعاقة العم طيب حافز ودرس في التحدي لبقية زملائه.

وينص القانون التونسي على تخصيص نسبة لا تقل عن 1% من الوظائف في القطاع العمومي لذوي الاحتياجات الخاصة الذين يقدر عددهم بـ241 ألف شخص، فضلا عن وضع امتيازات للمؤسسات الخاصة التي تنتدب هؤلاء.

عن ظهر قلب
يقول العم طيب إنه حفظ الطريق إلى عمله عن ظهر قلب، وانطبع في ذاكرته وإحساسه لدرجة انه يستغني عن عصاه أحيانا، ثم يواصل طريقه يتحسس الأرض بقدميه ويسبق إحدى يديه إلى الأمام خوف الارتطام بشجرة أو حائط أو ما شابه، يصل إلى مقر عمله فيعبر الدرجات بحذر ويدخل بابتسامته المعهودة.

وهو محبوب لدى جميع زملائه، حتى أن المواطنين الذين يأتون لقضاء شأن ما في البلدية يعرفون العم طيب فهو دائم الابتسامة وصاحب نكتة، يقول أحمد زميله الشاب "العم طيب اسم على مسمى، هو من يبعث فينا روح العزم عندما نفقدها أحيانا".

‪العم طيب يدخل مقر عمله صباحا‬  (الجزيرة)

عم "طيب"
عم الطيب اسم على مسمى فعلا تقرأ الطيبة في ابتسامته التي لا تفارقه على الرغم من عالمه المظلم الذي ألقاه فيه القدر وهو ما زال طفلا صغيرا يتحسس طريقه في الحياة، رجل يُرى ولا يرى بسبب عاهة أصابت عينيه أفقدته نعمة البصر لكن نور البصيرة عوض له كل شيء.

يقول جاره حاتم "عرفته جارا طيب القلب منذ سنوات بعيدة ونعم الجار هو.. لا تسمع له حسيسا ولا ترى منه أذى، يعطيك شحنة من الأمل ويدفعك دفعا لأن تحمد الله مرات عديدة على نعمة البصر التي حرم منها.. عم الطيب من الذين عميت أبصارهم وأنارت بصائرهم، رجل استثنائي بكل المقاييس، لا يلقاك إلا مبتسما، وكذلك يودعك.. هو مثال في التحدي يحتذى به."

إسقاط قانون تمديد "التقاعد"
يعيل العم طيب عائلة مكونة من أربعة أفراد براتبه المتواضع، ويأبى البقاء دون عمل، بل يريد تمديدا في مدة سن التقاعد، على عكس الكثير من التونسيين الذين احتجوا على قانون الرفع في سن التقاعد الذي أقرته الحكومة منذ أشهر وأثار جدلا كبيرا في تونس دفع بنواب الشعب بالتصويت ضده وبذلك تم إسقاطه.

عظماء وراء الظل
حقق الكثير من المكفوفين في العالم العربي شهرة تفوقا على الرغم من إعاقتهم فأصبحوا علامات في مختلف المجالات وتجاوز تأثيرهم الجغرافيا والتاريخ على غرار الأديب طه حسين والداعية الإسلامي عبد الحميد كشك والملحن السيد مكاوي والشاعر بشار بن برد والصحابي ابن العباس الذي قال "إن يأخذ الله من عيني نورهما ففي لساني وقلبي منهما نورا".

وكما قال الكاتب العالمي هيلين كيلر "الأشياء الأكثر جمالا في العالم لا يمكن رؤيتها أو حتى لمسها يجب أن تشعر بها بقلبك".

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة