صيادو غزة.. لقمة العيش من نيران الاحتلال

المساحة القانونية التي تسمح فيها إسرائيل للفلسطينيين بالتحرك داخلها هي 20 ميلا بحريا وفق اتفاقية أوسلو (الجزيرة)
المساحة القانونية التي تسمح فيها إسرائيل للفلسطينيين بالتحرك داخلها هي 20 ميلا بحريا وفق اتفاقية أوسلو (الجزيرة)

حنين ياسين-غزة

يلاحق قارب الشاب الفلسطيني أحمد البردويل قرص الشمس الدامي مبحرا نحو الغرب، في رحلة صيد جديدة تكاد تنعدم فيها احتمالات النجاة.

فالخطر في عرض بحر غزة لا يقتصر على الأمواج العاتية، فبعد أميال قليلة من الشاطئ ترقب الزوارق الإسرائيلية صيادي الأسماك الفلسطينيين وتطاردهم بالنار والموت مثلما تراقب أسماك القرش فريستها.

وبعد نحو 40 دقيقة من مصارعة الأمواج المرتفعة في مثل هذا الوقت من العام، وصل الصياد الشاب بقاربه الصغير -الذي اقترض جل ثمنه- لوجهته قرب كرة صفراء عائمة يميزها جيدا، فهي علامة إسرائيلية للمنطقة المسموح بالصيد فيها، وتجاوزها يعني تلقي زخات من الرصاص الحي، وربما القذائف من زوارق رمادية تجوب المنطقة.

ومع وصول البردويل (30 عاما) إلى حدود منطقة الستة أميال المسموح بصيد الأسماك فيها، يبدأ بإعداد شباكه بمساعدة شقيقه الأصغر الذي يرافقه عادة في رحلاته، قبل أن يلقيها في البحر بعد دقائق من انتهاء رحلة قرص الشمس واختفائه خلف الأفق.

‪بسبب شح الصيد لا يستطيع الصيادون توفير ثمن وقود قواربهم‬ (الجزيرة)

ومنذ لحظة إلقاء الشباك في البحر، مرت ثلاث ساعات ثقيلة على البردويل وشقيقه، فدرجات الحرارة بين المياه والأمواج في وقت الليل تكاد تصل لدرجة التجمد، والزوارق الإسرائيلية تحوم حولهم مخلفة موجات عالية قد تغرق قاربهم.

وبعد مضي ذلك الوقت الطويل، الذي تتخلله لحظات يتناول فيها الشقيقان طعامهما البسيط الذي تضم قائمته الخبز والزيتون، رددا بعض الأدعية لينجيهما الله من البحرية الإسرائيلية، ثم قرر الأخ الأكبر سحب الشباك من البحر.

وفي مرحلة سحب الشباك التي تثقلها المياه وما علق بها من أسماك، تبدأ رحلة الشقاء، فهذه العملية تتطلب مجهودا عضليا كبيرا ويزيد عناءها أجواء البرد القارس.

نحو ساعة مرت قبل أن ينهي البردويل وشقيقه سحب شباكهما إلى القارب ليتلقيا صدمتهما لهذه الليلة، فما علق بالشباك من أسماك لا يكاد يغطي ثمن الوقود الذي استهلكه محرك قاربهما، ولكنهما اعتادا على مثل ذلك، فالمنطقة التي تسمح إسرائيل بالصيد فيها ضحلة وأسماكها قليلة ولكن "ما باليد حيلة" فظروفهما الاقتصادية الصعبة تجبرهما على الإبحار.

وبعد جولة أخرى ألقى خلالها البردويل شباكه في البحر وسحبها بكمية أسماك مماثلة لسابقتها، قرر العودة للشاطئ ومشاعر السرور تغمر قلبه، فرغم أن صيده لم يكن وفيرا، فإنه نجا وشقيقه بروحيهما من الاعتداءات الإسرائيلية هذه الليلة.

غالبا ما تهاجم الزوارق الإسرائيلية قوارب الصيادين الغزيين (الجزيرة)

اعتداءات وحشية
ولا تزال ذكريات مخيفة لإطلاق النار على قاربهما واعتقالهما من قوات البحرية الإسرائيلية قبل ثلاثة أعوام، عالقة في ذهن الصياد البردويل، كما يقول لـلجزيرة نت.

في تلك الليلة كان البردويل قد انتهى من سحب شباكه وبدأ بالعودة إلى الشاطئ قبل أن تباغته القوات الإسرائيلية بوابل كثيف من الأعيرة النارية الثقيلة والمطاطية، التي أصابت محرك قاربه وعطلته ليتوقف عن العمل تماما وتتصاعد منه النيران.

ويضيف "بعد دقائق طويلة من إطلاق النار باتجاهنا أجبرني جنود الاحتلال على السباحة بالمياه الباردة مع شقيقي وصياديْن كانا يعملان قرب قاربنا، ومن ثم الصعود على متن زوارقهم واعتقلونا واقتادونا إلى ميناء أسدود".

وبعد أيام من الاعتقال دون توجيه أي تهمة لهما، أفرجت سلطات الاحتلال الإسرائيلي عن الشقيقين، لكنها لا تزال تحتجز قاربهما حتى اليوم.

الصياد البردويل كان قد اعتقل أيضا لأيام عدة عام 2008 بعد أن أغرقت زوارق البحرية المركب الذي يستقله رغم أنه كان يمارس عمله على بعد 150 مترا فقط من الشاطئ.

تجربة مشابهة خاضها الصياد ناصر الندى (24 عاما)، ففي آخر رحلة صيد له قبل أسابيع عدة، كان يعمل ضمن مساحة الصيد المسموح بها، ليتفاجأ باقتراب زورقين إسرائيليين من قاربه بشكل سريع قبل أن يدورا حوله بسرعة مخيفة في محاولة لإغراقه.

‪الصياد جمال بصلة كان يصنع قواربه بنفسه قبل 20 عاما لكنه اليوم لا يملك تكلفة صنع قارب واحد‬  (الجزيرة)

ويقول الندى "استطعت التشبث بالقارب مع زميلي الصياد محمد صيدم لدقائق معدودات، بدأ بعدها أحد الزوارق بإطلاق النار باتجاهنا وأغرق قاربنا مما أجبرنا على النزول إلى المياه".

ويكمل الصياد "أنزل إلينا الزورق الإسرائيلي سلما من الحبال وصعدنا إليه ليتم اعتقالنا، وبعد نحو أسبوع أطلقت السلطات الإسرائيلية سراحي، وبقي زميلي محمد صيدم معتقلا حتى اليوم".

مأساة الصيادين
وعلى الشاطئ في ميناء مدينة رفح جنوبي قطاع غزة، يجلس الصياد الفلسطيني العجوز جمال بصلة (62 عاما) قرب شباكه التي لم يعد يستخدمها بسبب القيود التي تفرضها السلطات الإسرائيلية على عمل صيادي الأسماك.

ولا يبالغ جمال حينما يصف حال الصياد في غزة بـ"المأساوي" بسبب ندرة الصيد بالمنطقة المسموح لهم بالعمل فيها، كما يقول للجزيرة نت.

ويضيف "نعيش اليوم على الفتات، كنت قبل 20 عاما أصنع قواربي بنفسي وبجودة عالية، لكن اليوم لا أملك تكلفة بناء قارب واحد، وننتظر من المؤسسات الإنسانية أن تقدم لنا مساعدات لشراء قوارب أو معدات صيد لنواصل عملنا".

وبسبب شح الصيد لا يستطيع الصيادون توفير ثمن الوقود الذي يستخدموه خلال رحلاتهم، لذلك قرر عدد كبير منهم التوقف عن العمل.

‪جميع الصيادين في غزة تحت مستوى خط الفقر‬ (الجزيرة)

نقيب الصيادين الفلسطينيين نزار عياش يقول للجزيرة نت إن "القيود التي تفرضها إسرائيل على مساحة صيد الأسماك في بحر غزة واعتداءاتها المتواصلة على الصيادين جعلت مهنة الصيد في مهب الريح بعد أن كانت مصدر دخل أساسي لسكان غزة".

وتراجع أعداد الصيادين الفلسطينيين المسجلين رسميا منذ العام 2000 إلى 3800 صياد بعد أن كان يزيد عددهم عن 4000 صياد، وفق عياش.

ويشير نقيب الصيادين بغزة إلى أن كميات الأسماك التي يتم اصطيادها في قطاع غزة سنويا تبلغ 2800 طن، في حين كانت قبل فرض القيود الإسرائيلية على عمل الصيادين عقب اندلاع انتفاضة عام 2000 تزيد عن 4000 طن سنويا.

جميع الصيادين بغزة تحت مستوى خط الفقر، حيث يبلغ متوسط دخل الصياد الفلسطيني 500 شيكل (130 دولارا) شهريا.

يذكر أن اتفاقية أوسلو للسلام الموقعة بين منظمة التحرير الفلسطينية وإسرائيل عام 1993 نصت على أن المسافة القانونية التي يسمح للفلسطينيين بالتحرك داخلها بحرية دون أي اعتراضات إسرائيلية هي 20 ميلا بحريا.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة