سوق الحميدية بالفلوجة.. تراث يصارع الاندثار وتجارة لا تنافس

سوق الحميدية الفلوجة
سوق الحميدية أهم الأسواق التي أنشئت قبل مئة عام في عهد السلطان العثماني ناظم باشا تيمنا بسوق الحميدية بدمشق (الجزيرة)

كمال العياش-الفلوجة

وسط ضجيج الحضارة والحداثة ثمة ركن هادئ يعيدك دائما إلى الماضي الذي يمثل أصولك وتاريخ أجدادك، كذلك أهالي الفلوجة (غرب بغداد) يجدون في سوق الحميدية أو ما يعرف بالسوق "المسقف" ملاذهم لعبق الماضي، وخط عودتهم لأيام الصبا والشباب.

تهالكت وشاخت جدران السوق الخارجية، بعض الملامح البسيطة لا تزال عالقة بزواياه وأزقته، كالأبواب التراثية والمصابيح القديمة -استعيض عن أغلبيتها بإنارة حديثة- وهي تتدلى من أعمدة خشبية، رصفت بطريقة مميزة لتقي المتسوقين أمطار الشتاء وحرارة شمس الصيف.

رجال محافظة الأنبار عموما والفلوجة لا يستغنون عن منتجات هذا السوق ولا سيما رجال محافظة الأنبار عموما والفلوجة لا يستغنون عن منتجات هذا السوق ولا سيما "الدشداشة" (الجزيرة)

تيمنا بسوق الحميدية في دمشق
يعد سوق الحميدية أحد أهم الأسواق التي أنشئت قبل مئة عام في عهد السلطان العثماني ناظم باشا تيمنا بسوق الحميدية في دمشق، ولأنه من أوائل المراكز التجارية آنذاك ضم بين محلاته التي لا تتجاوز الخمسين محلا أهم الحرفيين في شتى الصناعات اليدوية، ولا سيما صناعة الزي العربي.

عبد الرحمن عوف -وهو أحد السكان المحليين في مدينة الفلوجة- سعيد جدا بعودة الحياة الى ما كانت عليه في هذا السوق، ويؤكد أن "الرجال في محافظة الأنبار عموما والفلوجة خصوصا لا يمكن لهم الاستغناء عن منتجات هذا السوق، ولا سيما "الدشداشة" التي تعد من المقتنيات المهمة والضرورية، كما أن بعض الخياطين في هذا السوق أصبحوا من المشاهير في خياطة الزي العربي".

‪محال سوق الحميدية تتوارثها الأجيال‬ (الجزيرة)‪محال سوق الحميدية تتوارثها الأجيال‬ (الجزيرة)

محلات صغيرة تتوارثها الأجيال
تلك المحلات الصغيرة وما تحتويه من مهن تعد بمثابة ثروة لا يمكن التفريط بها لما لها من مكانة معنوية قبل أن تكون تجارية، فهي مهنة وحرفة ورسالة حرص الأبناء على الحفاظ عليها، إذ لا تجد بين أصحابها من هو مستثمر أو دخيل، فهذه المحال الصغيرة تتوارثها الأجيال.

 وعلى الرغم من التوسع والتطور في بعض المهن التي مكنت أصحابها من الانتقال بتجارتهم إلى مكان آخر فإنهم ما زالوا يحافظون على وجودهم داخل هذا السوق وكأنه شاهد على بدايات يفخرون بها.

في مكان بالكاد يتسع لشخصين أن يجلسا متقابلين اعتاد الحاج إسماعيل الكبيسي منذ ستين عاما أن يقضي يومه خلف ماكينة الخياطة، حدثنا دون أن تترك يداه العمل، قائلا "نشأت وترعرعت في هذا السوق، ورثت هذا المحل عن أبي، قد لا يكون مصدر رزق مناسب في هذه الأوقات الصعبة، إلا أنه مكان مثالي للعمل والتواصل مع أصدقاء الطفولة والشباب".

غياب الاهتمام الحكومي بهذا السوق يجعله شاهدا على ما تعرض له من خراب ودمار أثر سلبيا على هيئته ومكانته التراثية والتاريخية، إذ لا تزال آثار الدمار الذي شهدته مدينة الفلوجة منذ احتلال العراق عام 2003 شاخصة لم تصل إليها يد الإعمار، عدا بعض الجهود الذاتية لأصحاب المحال التجارية التي تسعى للمحافظة على ممتلكاتها وموروثها.

 حمداني: سوق الحميدية كنز تاريخي يجب المحافظة عليه (الجزيرة) حمداني: سوق الحميدية كنز تاريخي يجب المحافظة عليه (الجزيرة)

كنز تاريخي يجب المحافظة عليه
قحطان الحمداني -وهو أحد تجار سوق الحميدية- قال للجزيرة نت "سوق الحميدية ليس مركزا تجاريا للحرف اليدوية والزي العربي فقط وإنما هو تراث وكنز تاريخي يجب المحافظة عليه، هذا السوق شاهد على حقبة عثمانية وأخرى بريطانية وأميركية، كل تلك الحقب وما تمخض عنها من حكومات لم تعط هذا السوق ما يستحق من اهتمام ورعاية".

ويستدرك الحمداني "إهمال هذا السوق بهذه الطريقة محاولة متعمدة لطمس المعالم التاريخية والتراثية لهذه المدينة، ففي كل عصر وزمان يكون لهذا السوق حصة كبيرة من التخريب والدمار لا تسعفها خطط البناء والإعمار".

عادت الحياة الى الفلوجة وأسواقها، إلا أن الحركة التجارية في هذا السوق تقتصر على أهالي المدينة وما حولها بعد أن كان قبلة للمتسوقين من مختلف المحافظات العراقية، بسبب الأحداث الأمنية وتبعاتها من الإجراءات التي تعيق الوصول إليه.

‪الحكومة مطالبة برعاية السوق لمكانته التاريخية والتراثية‬ (الجزيرة)‪الحكومة مطالبة برعاية السوق لمكانته التاريخية والتراثية‬ (الجزيرة)

مكانة تاريخية وتراثية
رعد محمد -وهو صاحب محل خياطة العباءة العربية- لا ينتظر من الحكومة المحلية أن تعيد للسوق مكانته أو تساهم في إعادة الحياة إلى هذا المركز التجاري المهم، فهو يؤكد أن "سوق الحميدية لا يمكن له أن يموت ولا تنتهي الحاجة له، ففي كل مرة نحن من نعيد الحياة إليه، ونحن من يساهم برواج تجارته".

ويقول أيضا "نسعى جاهدين بإمكانياتنا الذاتية إلى عودة الحياة لهذا السوق لطبيعته ومكانته الحقيقية، لكن على الحكومة المحلية أن تأخذ دورها في دعم ورعاية السوق لما يتميز به من مكانة تاريخية وتراثية".

المصدر : الجزيرة