الكسكسي طبق شعبي من أصول أمازيغية يروي تراث الإنسانية في تونس
عـاجـل: مندوب إيران في الأمم المتحدة يدعو الأمين العام ومجلس الأمن لدراسة تدابير توفر المظلة الدولية اللازمة لحوار إقليمي

الكسكسي طبق شعبي من أصول أمازيغية يروي تراث الإنسانية في تونس

الكسكسي أكلة تونسية تقدم مرصعة بقطع اللحم والحمص والزبيب، وهو وجبة الأعراس والأفراح والأتراح و"الوعدة" (الجزيرة)
الكسكسي أكلة تونسية تقدم مرصعة بقطع اللحم والحمص والزبيب، وهو وجبة الأعراس والأفراح والأتراح و"الوعدة" (الجزيرة)

محمد علي لطيفي-تونس

تجلس القرفصاء أمام قصعة كبيرة الحجم، من أجل إعداد طبق الكسكسي الذي تشتهر به بلدان المغرب العربي، وأصبح الأكلة الشعبية التي تمثل جزءا من عاداتهم وتقاليدهم، خاصة في تونس، حيث بات الطبق الرئيسي الذي لا يفارق موائد الطعام.

تشمر الخالة شهيرة سعيد (49 سنة) عن ساعديها في مطبخها الصغير بحي باب سويقة الشعبي وسط العاصمة تونس، ثم تحرك بيديها الصغيرتين حبات الكسكسي، وتضع بعض الملاعق من زيت الزيتون وما يقارب نصف كأس ماء ثم تفركه بيديها الصغيرتين حتى تفصل الحبات عن بعضها، ثم تتركه بعض الوقت.

طقوس الطبق العريق
تنهض الخالة شهيرة متثاقلة لتشعل موقد النار، وتضع كمية من البصل وتضيف إليها كأسا من زيت الزيتون لتقليها مع قطع اللحم التي قسمتها إلى أجزاء صغيرة في قدر كبيرة، ثم تضع الكسكسي وتتركه يتشرب البخار في الطابق العلوي من قدر "الكسكاس" (وعاء من طابقين يوضعان فوق بعضهما، يوضع في الأسفل منهما الصلصة واللحم، وفي العلوي المثقب يوضع الكسكسي لينضج على البخار).

بعد حوالي نصف ساعة تسكب الخالة شهيرة الكسكسي في صحن وترشه بحركة سريعة بالماء، ثم تحركه بأصابعها لتفصل الحبات عن بعضها، ثم تعيده إلى الكسكاس ليطبخ ثانية على البخار. 

الخالة شهيرة سعيد تعد الكسكسي الوجبة الرئيسة للتونسيين (الجزيرة)

لا تهدأ عيون الخالة شهيرة ولا حركة يديها وهي تراقب وجبة عائلتها المفضلة التي تطبخ على نار هادئة، وتحرك من حين لآخر قدر "الكسكاس" خوفا من أن تتلاصق الحبات الصغيرة وتفقد جماليتها ومذاقها الرائع. 

وعن طريقة تحضيره تقول للجزيرة نت "قبل أن ينضج المرق بحوالي الساعة، نضيف إليه قطعا من القرع الأحمر، ثم نرمي حبات البطاطا وقرون الفلفل بعد نزع بذورها في الزيت لقليها كل على حدة، ثم نرشها بالملح لنضعها لاحقا فوق طبق الكسكسي". 

وتضيف "عندما ينضج المرق والخضر، نضع الكسكسي في وعاء كبير ونضع ملعقة زبدة أو سمن ونخلطها جيدا، ثم نضيف إليها قليلا من الصلصة ونخلطها بعد ذلك جيدا مع الكسكسي".

وفي المرحلة النهائية، يتم وضع الكسكسي في إناء ويسقى بالمرق الثري بالخضروات والحمص واللحم، ليصبح الطبق جاهزا ويقدم للضيوف بعدما يتم تزيينه بالفلفل المقلي والبيض المسلوق والزبيب.

الكسكسي طعام غني
يعد طبق الكسكسي من أشهر الأطباق العريقة التي تتميز بها تونس ومختلف البلدان المغاربية، ولكن تختلف طرق تحضيره وحتى المكونات التي توضع فيه من بلد إلى آخر ومن محافظة إلى أخرى. 

ولهذا الطبق منافع لا تحصى، فهو يوفر الطاقة فضلا عن أن طبخه بالخضر يوفر وجبة متكاملة، فضلا عن أنه يعد أكلة تونسية أصيلة وسهلة الطهي وبسيطة المكونات.

وبحسب مريم كشك الاختصاصية في المعهد الوطني للتغذية (حكومي)، يعتبر الكسكسي من مجموعة النشويات لأنه مصنوع من الحبوب، وهو غني بالبروتينات النباتية والألياف التي تساعد في بطء عملية هضمه وذلك يعطي إحساسا بالشبع فترة طويلة بعد تناوله.

وتقول مريم للجزيرة نت إن الكسكسي يقلل من الشعور بالجوع وبالتالي يساعدنا على عدم تناول كميات كبيرة من الطعام والأكل بين الوجبات، كما تساعد الألياف الموجودة في الكسكسي على الحفاظ على نسبة السكر في الدم، لكن كثرة السكريات التي يحتوي عليها قد تسبب اضطرابات في نسبة السكر في الدم.

تونسية تخلط الكسكسي عدة مرات قبل وضعه في الكسكاس لينضج (الجزيرة)

وجبة جميع المناسبات
ورغم اختلاف طرق إعداده، غالبا ما يقدم الكسكسي في قصعة عملاقة مرصعة بقطع اللحم والحمص والزبيب، وهو وجبة الفقراء التي تملأ بطونهم أثناء الأعراس والأفراح، كما أنها الوجبة التي تقدم أثناء الأتراح، و"الوعدة" التي يتقرب بها الزوار إلى الأولياء الصالحين. 

وبحسب الباحث في الثقافة الشعبية عبد الناصر البقلوطي، فإن هذا الطبق رئيسي في ثقافة الطعام الشعبي التونسي، ويعود إلى الأصول الأمازيغية، وهو ما تؤكده البحوث بعد العثور على أوانٍ من بينها الكسكاس (أحد الأواني الرئيسية في طبخ الكسكسي) تعود إلى الملك النمودي الأمازيغي ماسينيسا.

كسكسي تونس "المغربية" في فلسطين
ويضيف أن هذه الأكلة الشعبية كان قوت التونسيين الذين شاركوا في الحرب مع الفلسطينيين، لذلك انتشرت هذه الأكلة التي تعرف باسم "المغربية" في دول الشرق.

ويتم تحضير مؤونة الكسكسي بهدف التخزين من مايو/أيار إلى يناير/كانون الثاني، حيث يتم تحضيره مرة واحدة على البخار وينشر تحت أشعة الشمس الحارقة من يومين إلى ثلاثة أيام، ثم يحفظ في بيت المونة.

ويصنف كسكسي المؤونة إلى ثلاثة أصناف: صنف رقيق يسمي المسفوف، يتم تحضيره بالزبيب والفواكه الجافة أو باللبن، والصنف المتوسط ويعد بالمرق والخضر واللحم أو الحوت (السمك)، والصنف الثالث "الكسكسي المغموم" ويحضر بالبهارات والبصل والفلفل الحار والطماطم.

أكلة الكسكسي تطبخ على نار هادئة وتنضج على البخار في قدر كسكاس (الجزيرة)

الكسكسي التونسي في تراث اليونسكو
ورغم تفوق الكسكسي التونسي على الكسكسي المغربي وفوزه بلقب بطولة العالم في إعداد الكسكسي على مستوى التقديم والمذاق، خلال المهرجان الدولي الذي استضافته مدينة سان فيتو لو كابو الإيطالية في 21-30 سبتمبر/أيلول 2018؛ فإن طبق الكسكسي يظل طبقا مشتركا مغاربيا يجمع سائر دول المغرب العربي التي لا تختلف كثيرا في طرق إعداده وطبخه، باستثناء استعمال البهارات والهريسة (الشطة) ذات المذاق الحار في المطبخ التونسي.

وتسعى دول المغرب العربي -ضمن مشروع مغاربي مشترك- لإدراج طبق الكسكسي في قائمة التراث العالمي للبشرية التي تعدها اليونسكو، وفق ما أعلنه المركز الوطني الجزائري للبحوث في عصور ما قبل التاريخ -التاريخ وعلم الإنسان- نهاية سنة 2018.

ويقول الباحث عماد صولة للجزيرة نت إن طبق الكسكسي بقي أصيلا رغم مرور الزمن، معتبرا أن إدراجه ضمن تراث اليونسكو هو أداة لتعزيز الروابط المتينة والتقريب بين الشعوب المغاربية التي تشترك في التقاليد نفسها.

بقي بخار الكسكسي داخل المطبخ الصغير عالقا في المكان حيث تنبعث البهارات الشهية التي ما تزال عالقة، إذ تتمنى شهيرة سعيد أن تبقى الشعوب العربية متماسكة مترابطة بين بعضها كالبخار الذي ملأ المكان.

المصدر : الجزيرة