الوشم بتونس.. من قبلية منغلقة إلى مدرسة وانفتاح على العالم

الوشم بتونس.. من قبلية منغلقة إلى مدرسة وانفتاح على العالم

أحد المتطوعين في المدرسة الوطنية للوشم (الجزيرة)
أحد المتطوعين في المدرسة الوطنية للوشم (الجزيرة)

بدر الدين الوهيبي-تونس

داخل ما يشبه المختبر، يلقي فواز زهمول درسا حول تقنيات الوشم على مجموعة من الشباب التي اختارت تعلّم هذه المهنة الغريبة نوعا ما على لائحة المهن والحرف التي تجذب الشباب العربي بالعصر الحالي خاصّة في الظروف الاقتصادية الراهنة.

المدرسة الوطنية للوشم التي أسسها زهمول هي الأولى من نوعها على الصعيدين الوطني والعربي، بادرة نمّاها حبه لهذه المهنة التي زاولها منذ أن كان طالبا بالهندسة في اسبانيا، بدأت بعمل في محل للوشم يساعده على مجابهة نفقات الدراسة هناك.

أوّل الرسوم
تاريخيا تعود أوّل رسوم الوشم على الجسد إلى أكثر من 5300 سنة حيث عثر سنة 1991 على رفات بشرية ما بين الحدود الإيطالية النمساوية تحمل أكثر من 61 وشما لا تزال ظاهرة على أذرع وأرجل المومياء المتجمدة التي سميت لاحقا "أوتزي رجل الجليد".

 أحد الطلبة يقوم بتصميم نموذج (الجزيرة)

تعلّم التقنيات
يقول زهمول إن الاهتمام والإقبال المتزايد على تعلّم تقنيات الوشم ليس حكرا على طبقة أو فئة معينة، فإضافة للشبان والشابات نجد كهولا يرتادون مقاعد التعلّم في مدرسته، لذلك ونظرا لهذا الإقبال يجد نفسه مضطرا لاختبار الحسّ الفنيّ والإبداعي للطلبة قبل قبولهم.

ويضيف أن دوافعهم للانضمام للمدرسة تختلف، منهم من يريد الحصول على شهادة في المهنة تخوّل له العمل في النزل والفنادق نظرا لإقبال الأجانب والسيّاح على الوشم، ومنهم من يريد تطوير هواية يمارسها على نطاق ضيق بغية إيجاد مورد رزق موسمي إضافي.

المثير للاهتمام أن روّاد المدرسة الوطنية للوشم ليسوا ممن تقطعت بهم السبل وغابت عنهم الآفاق المستقبلية، بل على العكس هم غالبا من فئة شبابية لهم مستوى تعليمي مقبول يمكنهم الانخراط بدورات تدريبية أخرى بعيدة عن الوشم.

الدليل على ذلك أيضا اعتمادهم بسهولة على التقنيات الحديثة في الإعلام لتصميم وابتكار رسوم الوشم، إضافة لما يمتلكونه من حس فني وذوق جميل يسهّل عليهم التعامل مع المتطلبات الجمالية للعملاء ومواكبة تطور المهنة وتقنياتها الوافدة من أوروبا خاصة.

المعدات اللازمة (الجزيرة)

تطور الانتماء
ويبين زهمول أن فكرة الانتماء إلى القبيلة أو العشيرة طبعت أولى الوشوم الأمازيغية في تونس، إذ عمدوا في تلك الفترة إلى رسم الوشم على أجساد رجال القبيلة ربما أحيانا نفس الوشم على الخيول والمواشي كوسيلة للتعرف عليها فيما بينهم في أوقات السلم والحرب.

لكن مع تطور العصر واندثار المفاهيم القبلية في الثقافة التونسية، بدأ يتبلور مفهوم جديد للانتماء الذي جاوز فكرة القبليّة ليصبح تعبيرا عن نمط فكري متحرر من الضوابط والقيود الاجتماعية والدينية تعتنقه الفئة الشبابية خاصة في المحيطات المتمدنة المتّصفة بالتحرّر.

ويضيف محدثنا أن الانفتاح الذي خوّله تطوّر القطاع السياحي في تونس جعل الشباب التونسي ينفتح على تيارات فكرية وتعبيرات شبابية جديدة من مختلف دول العالم طورت كذلك من مفهومه وتصوره للانتماء لتتسع الدائرة أكثر فأكثر من القبلية إلى العالمية.

وللتذكير فان العاصمة الفرنسية باريس تنظّم منذ سنة 2009 الأيام العالمية للوشم التي تقام غالبا في فبراير/شباط من كل سنة، وتمثل مناسبة يتجمع فيها المختصون والمولعون بهذا الفن لتبادل الخبرات والاطّلاع على أحدث التقنيات التي توصّل إليها محترفو المجال.

 أحد المتطوعين (الجزيرة)

استثمار يواكب العصر
يتذكر زهمول بداياته الخجولة في هذه المهنة عند عودته للديار حاملا في يده شهادة مهندس صوت وفي حقيبته أغراض ومعدّات الوشم، كيف بدأ يشم الأصدقاء المقربين وبعض أفراد العائلة حتى أصبح يتلقى شيئا فشيئا طلبات من شباب يسمعون عنه ولا يعرفهم.

تطورت عنده فكرة بعث المدرسة خاصة عندما لمس إقبالا كبيرا عليه وهو الخبير القادم من إسبانيا، أيضا للانفتاح الفكري الذي وجده لدى الشباب التونسي الذي يسعى لإرساء توجهات حياتية جديدة تعبّر عن نوع من التمرّد على المألوف وانفتاح بات مجسّدا على الأجساد

تتراوح الأسعار من عشرين إلى ألف دولار للوشم، وذلك حسب ما يطلبه الحريف والوقت اللازم للقيام بالوشم، وهنالك من يطلب لوحات فنية كاملة على جسمه مما يتطلّب العديد من الحصص لإتمامها، أما بالنسبة للطلبة فالأمر يتعلق بسرعة تعلّمهم وتفاعلهم مع المواد.

حكايات حب وجمال
الوشم ليس تعبيرا صريحا عن فكرة أو حالة نفسية معينة، هو تعبير يغرق في الرمزية والحياة الخاصة للراغبين في الوشم، تتراوح الرسوم من حكايات الحب بأنواعها إلى تخليد ذكرى أفراد للعائلة، أيضا إلى الإرادة والتوجه العلمي والحياة، قاموس غريب وغني يفهم مفرداته المولعون والمختصون.

يقول زهمول إنه لا يقترح تصميما معينا على عملائه، فغالبا يعرفون ما يريدون بالضبط، ولكنه يساعدهم في معظم الأحيان على تطوير تصوراتهم لتحسينها وإضفاء المزيد من الجمالية على وشمهم أيضا لتكون وفية للخطوط العريضة لشخصياتهم نظرا للخبرة التي اكتسبها في المجال.

يبقى المجتمع التونسي ينظر بتحفظ للوشم على أنه ممارسة تنم عن انحراف سلوكي وفكر شاذ لهذه الفئة الشابة التي تتلمّس الطريق نحو إثبات الذات وترسيخ مطلب ملحّ للتحرر من القيود والاقتراب من نموذج الشباب الغربي الناجح الذي أثبت ذاته.. لربما كان على المجتمع النظر إلى جوهر الأمور والانفتاح على المشاكل والطموحات المقيدة التي تدفعهم لوخز الإبر.

المصدر : الجزيرة