حمامات إدلب الشعبية القديمة.. ملاذ دافئ وعشاء فاخر شتاء

اعتاد "أبو سعيد" ارتياد الحمام فالجلسة هنا أشبه بنزهة بالنسبة له تترافق مع العشاء والأغاني التراثية (الجزيرة)
اعتاد "أبو سعيد" ارتياد الحمام فالجلسة هنا أشبه بنزهة بالنسبة له تترافق مع العشاء والأغاني التراثية (الجزيرة)

محمد الأسمر-إدلب

يحث سامر خطاه مسرعاً متكورا على نفسه في مشيته باتجاه حمام "التحتانية" تدفعه برودة يناير/كانون الثاني للدخول إلى الحمام المكتظ بمختلف الفئات العمرية حيث يلاقيك دفئ المكان بشكل يدفعك للمكوث طويلا، يجول بناظريه باحثا عن صحبه الذين وصلوا قبله، فقد اعتاد أن يجتمع معهم في هذا الحمام نهاية كل أسبوع ليقضوا ساعات طويلة هربا من برودة الجو وتجاذب التصريحات السياسية في الخارج.

سحابة البخار المتصاعد
يخلع ملابسه السميكة ويلف نفسه بمنشفة على عجل ليتوجه إلى القسم "الجواني" (الداخلي) حيث المياه الدافئة والحرارة المرتفعة التي ستمسح عن أوصاله تعب أسبوع كامل.

في "الجواني" -كما يطلق عليه رواد الحمامات الشعبية- يجلس سامر بين سحابة كبيرة من البخار المتصاعد من المياه الساخنة "هذا أدفى مكان بالكون" يصرخ مخاطباً صديقه الذي يجلس قبالته ويفصل بينهما جرن حجري يمتلئ بالمياه الحارة المتدفقة من أحد الصنابير.

كثافة البخار تمنعك من رؤية كل الزبائن في الحمام لكن ضجيج كيول الماء (مفردها كيلة وهي إناء خاص للماء يستخدم أثناء الاستحمام) المتضاربة بالجرون (مفردها جرن يوضع به الماء الساخن ومنه تعبأ الكيلة) الحجرية وتداخل أحاديث الزوار توحي بازدحام المكان.

القسم الخارجي في حمام التحتانية القديم في معرة النعمان جنوب إدلب 

طقوس الحمام الشعبي
يتراشق الصديقان كيول المياه الدافئة حتى ترتوي أوصالهما قبل أن يتجها نحو "المكيس" وهو أحد العاملين ويقتضي عمله أن يقوم بعمل مساج للزبون بالإضافة لفرك جسم الزبون بكيس الحمام الأسود والذي يصنع عادة من قماش خشن بهدف تنظيف البشرة بشكل ممتاز، وهي المرحلة الأساسية التي ينتظرها أغلب رواد الحمام. ينتهي سامر من جلسة المكيس ويرجع إلى جرنه السابق ليغتسل بالمياه والصابون قبل أن ينهي حمامه.

ساعة كاملة يقضيها سامر في "الجواني" قبل أن يتجه نحو القسم المجاور "الوسطاني" لينتظر حتى يجف جسمه ويتنفس الهواء النقي بعيداُ عن البخار ليعود مع صديقه إلى القسم "البراني" حيث تبدأ مراسم السهرة الأسبوعية التي ستتخللها النكات العذبة وأحاديث الذكريات ووجبة العشاء المحببة لزوار الحمام "الكبة النية والتبولة" التي ستترافق مع أغنيات قديمة.

يعتبر هذا الحمام من الأماكن التراثية في معرة النعمان، ولا يعرف قصي (المشرف على الحمام) العمر الحقيقي له لكن ما يعرفه أن جده قد اشتراه من أحد باشوات (جمع باشا وهي لقب فخري كان يمنحه السلطان العثماني للشخصيات البارزة مدنية أم عسكرية) المعرة منذ عشرات السنين.

نظام الحمامات الشعبية
تتشابه تلك الحمامات ببنائها العام حيث تستقبلك قاعة كبيرة ترتصف على جدرانها مصاطب (مقاعد مبنية) تعلوها القناطر المزخرفة، ويستعمل الزوار تلك المصاطب في جلساتهم بعد الانتهاء من الحمام، تتوسط القاعة بحرة حجرية بداخلها نافورة للمياه، سقف القاعة مزين بقبة ضخمة تتخللها فتحات متعددة بهدف التهوية. ويعرف هذا المكان باسم "البراني" (أي الخارجي).
 
من "البراني" يأخذك ممر متعرج للأقسام الداخلية لتصل إلى "الوسطاني" (الأوسط) وهو غرفة كبيرة يستعملها بعض الزوار الذين لا يرغبون بالاستحمام بالقسم الجواني نتيجة كثرة البخار التي قد تزعجهم.
 
"الوسطاني" يأخذك مباشرة إلى القسم الأهم في الحمام "الجواني" حيث تواجهك قاعة ضخمة تتوزع على جدرانها صنابير المياه والجرون الحجرية، وفي وسطها مصطبة ضخمة تستعمل للجلوس بدلا من الكراسي المعروفة، في القسم ذاته توجد غرف صغيرة يستعملها من يرغب بحمام منفرد بعيدا عن ضجيج الزبائن.
 
توقف هذا الحمام عن العمل خلال سنوات الثورة وتعرض للقصف في إحدى المرات قبل أن يعيد أصحابه ترميمه من جديد ليبدأ عمله مع قدوم قوافل المهجرين من غوطة دمشق إلى محافظة إدلب حيث شجع الوافدون الجدد أصحاب الحمام على إعادة افتتاحه من جديد.
‪يستعمل الزوار المصاطب بجلساتهم بعد الانتهاء من الحمام‬ يستعمل الزوار المصاطب بجلساتهم بعد الانتهاء من الحمام (الجزيرة)

صباحا ومساء 
يبدأ عمل الحمام مع بداية أكتوبر/تشرين الأول، ويتوقف خلال مايو/أيار في فترتين صباحية للنساء ومسائية للرجال، ويعتمد أصحاب الحمام على بئر سطحية لتزويد الحمام بالمياه التي سيتم تسخينها لاحقا بسخانات تعمل على الفحم الحجري بسبب ارتفاع أسعار المشتقات النفطية.

يتقاضى قصي مبلغ خمسمئة ليرة "دولار واحد" من الزبون مقابل الاستمتاع بحمام دافئ وسهرة عامرة بالذكريات، وهو مبلغ يراه الزبائن مناسبا مقارنة بالتكلفة التي يدفعونها في منازلهم حيث يحتاج الزبون قرابة النصف دولار ثمنا للمحروقات التي يستعملها في حمامه المنزلي.

عشاء وأغان تراثية
على إحدى المصاطب يجلس أبو سعيد (70 عاماً) برفقة أصحابه ليتناول وجبة عشائه بعد الانتهاء من حمامه، حيث اعتاد ارتياد هذا الحمام بشكل مستمر، فالجلسة هنا أشبه بنزهة يقضيها باحتساء الشاي مع دخان النرجيلة قرب بركة الماء مستمتعا بالأغاني التراثية التي تعيده لزمن الشباب.

تختلف زيارة أبو سعيد للحمام عن الأيام التي قضاها في طفولته حيث كان حمام السوق من أهم الطقوس التي تلازمهم بسبب افتقار المنازل في ذلك الوقت إلى الحمامات.

حمامات إدلب
تشتهر محافظة إدلب بحماماتها الشعبية، ويرى المؤرخون أن بعض الحمامات تعود إلى الفترة الرومانية حيث يوجد في "سرجيلا" (جنوب إدلب) حمام يعود تاريخه إلى عام 473، بينما تعود الحمامات الموجودة حاليا إلى أيام الحكم العثماني، ويبلغ عددها 31 حماما أغلبها خارج الخدمة، وتتوزع على عدة مناطق بإدلب، ونصيب معرة النعمان وحدها أربعة حمامات.

ينهي سامر سهرة عامرة بالتراث، ويمضي مع صحبه مغادرين دفء الحمام وحكاياته إلى شوارع المدينة الموحشة على أمل اللقاء في الأسبوع القادم.

‪كبة وتبولة ونرجيلة‬ كبة وتبولة ونرجيلة (الجزيرة)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

هل تستعمل الحمامات العمومية كثيرا؟ هذا الخبر سيحمل أنباء سيئة لك، وهو أن أحواض المراحيض العمومية، والحنفيات، وموزعات المناديل الورقية، أو أزرار مجفف اليد ملوثة للغاية بالميكروبات.

23/11/2018

يعتقد كثيرون أن لحمام الصباح والمساء نفس التأثير على الصحة. لكن الخبراء أظهروا وجود اختلاف كبير وتأثير مختلف على الدورة الدموية حسب وقت أخذ الحمام. كيف ذلك؟

16/12/2018
المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة