صراع الثقافة والدم.. هل يصلح الطلاب قوانين الهجرة والمواطنة بإيطاليا؟

شباب الجيل الجديد يقترحون اعتماد حق المواطنة عن طريق الاستيعاب الثقافي بمزاولة نظام التعليم الإيطالي (غيتي)
شباب الجيل الجديد يقترحون اعتماد حق المواطنة عن طريق الاستيعاب الثقافي بمزاولة نظام التعليم الإيطالي (غيتي)

جيل جديد من الطلبة نشأ ودرس في إيطاليا، يضغط لإصلاح قوانين المواطنة التي تكافئ الذين تجري في عروقهم دماء إيطالية وتستثني الذين عاشوا فيها طوال حياتهم.

وفي تقرير نشرته مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، قالت الكاتبة ستيفانيا ديغنوتي إنه في 9 نوفمبر/تشرين الثاني خاطبت ناديشا يويانغودا حشدا يضم مئات الأشخاص، لمعرفة المزيد عن إصلاح قانون المواطنة الذي يثير جدلا كبيرا في وسائل الإعلام الإيطالية.

وقالت "تُستخدم الأقليات العرقية في إيطاليا كأدوات للدعاية السياسية، سواء من جانب اليمين لمساندة القومية البيضاء، أو اليسار للتصدي للمعارضة؛ ولذلك نحن نطالب بالاعتراف القانوني بوجودنا".

حق المواطنة والاستيعاب الثقافي
في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، أعادت لجنة الشؤون الدستورية التابعة للبرلمان الإيطالي إلى طاولة النقاش موضوع إصلاح قانون المواطنة المعمول به حاليا، ويعود تاريخه لعام 1992، ويعتمد منح الجنسية الإيطالية على روابط الدم؛ لكن من شأن ما يسمى بالحق الثقافي أن يكون بديلا ثالثا لحق المواطنة بالولادة وحق الدم.

وأشارت الكاتبة إلى أن الإصلاح يقترح اعتماد حق المواطنة عن طريق الاستيعاب الثقافي، وذلك يكتسبه الفرد بشكل رئيسي من خلال مزاولة نظام التعليم الإيطالي، فضلا عن أنه يهدف إلى دعم النمو السكاني في بلد تنخفض فيه معدلات المواليد.

بدأ النقاش حول إصلاح قانون المواطنة عام 2016 بقيادة رئيس الوزراء السابق ماتيو رينزي، وصُرف عنه النظر بعد أن استهدفت الحكومة -التي وصلت إلى السلطة أوائل عام 2018- المهاجرين بالقوانين المعادية للأجانب والتي جردت المهاجرين الوافدين حديثا من حقوق الحماية الإنسانية.

وبحسب أحد التقارير، فإنه خلال العام الدراسي 2017-2018، لم يكن قرابة 842 ألفا من الطلاب "الأجانب" المسجلين بالمدارس الحكومية الإيطالية، يحملون الجنسية الإيطالية.

ويُصنّف التقرير الطلاب الذين يحملون تصاريح إقامة ولا يحملون الجنسية الإيطالية "أجانب". وفي حال تمت المصادقة على القانون، فسيعطى حق المواطنة بشكل تلقائي لجميع الأطفال الذين ولدوا في إيطاليا أو دخلوا إليها قبل بلوغ سن 12 عاما وتلقوا تعليما في المدارس الإيطالية على الأقل لمدة خمس سنوات.

الشباب الإيطالي من ذوي الخلفيات المهاجرة لإيطاليا يؤكدون على أهمية حصولهم على حقوق المواطنة (غيتي)

مهرجان الأجيال الجديدة الإيطالي
وتحدثت يويانغودا في مهرجان الأجيال الجديدة الإيطالي الذي نظمه الجيل القادم لإيطاليا، ويضم الجيلين الأول والثاني من الإيطاليين. ويهدف هذا المهرجان لإعلاء صوت الشباب الإيطالي من ذوي الخلفيات المهاجرة الذين لا يشعرون بالتمثيل الكافي في السياسة الإيطالية ويؤكدون في الوقت الراهن على أهمية حصولهم على حقوق المواطنة، فضلا عن أنهم يطالبون بتمثيل عادل.

وبينت الكاتبة أن يويانغودا -الصحفية البالغة من العمر 26 عاما والناشطة في مجال حقوق الهجرة- انتقلت إلى إيطاليا مع عائلتها منذ عشرين عاما هربا من الحرب الأهلية في سريلانكا، ورغم أنها لم تعش في بلد غير إيطاليا فإنها لا تستطيع أن تقر بأنها إيطالية بالكامل، لأنها لا تملك الوثائق القانونية اللازمة.

كان بإمكان يويانغودا التقدم بطلب للحصول على الجنسية بعد بلوغها 18، لكنها لم تفعل ذلك خلال تلك السنة التي يُسمح فيها للأشخاص بالتقدم للحصول على حق المواطنة. وعلى من يبلغ التاسعة عشرة من العمر ويرغب في طلب المواطنة، أن يتقدم بإعلان قانوني يذكر فيه سببا وجيها لعدم التقدم بهذا الطلب خلال السنة الأولى بعد بلوغه الثامنة عشرة.

وتمثل قضية المواطَنة ليويانغودا مسألة مبدأ، فقد أرادت أن يكون حقا معترفا به بشكل طبيعي، وليس شيئا تُطالب به، كما تقول، وهي من عدد كبير من أحفاد المهاجرين الإيطاليين الذين يطالبون بتوضيح هذه المسألة الشائكة. والآن يعد تقديم دليل على امتلاك جميع أفراد الأسرة دخلا كافيا من شروط طلب الحصول على حق المواطنة.

ونظرا لأن العديد من المهاجرين فقدوا وظائفهم أو لم يجدوا سوى خيارات عمل غير قانونية أثناء الأزمة الاقتصادية، فغالبا ما يواجهون مشكلة في تقديم أدلة على إقامتهم القانونية المستمرة في البلاد لمدة عشر سنوات.

وبسبب التكلفة العالية لعملية تقديم طلب الحصول على الجنسية -حوالي 250 يورو (275 دولارا)- إضافة للنفقات البيروقراطية الأخرى، فإن الكثير من العائلات تتخلى عن هذا الحق.

تأخر إيطاليا في إصلاح قانون الهجرة
ووفقا لما ذكره خبير قانون الهجرة الإيطالي بينو جوليا، فإن التحدي الرئيسي هو عدم قدرة السياسيين على التمييز بوضوح بين المهاجرين الذين يحلون بشكل مؤقت في إيطاليا نتيجة لأزمة اللاجئين، وأجيال من المهاجرين الذين يعيشون فيها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

بالنسبة له، تأخرت إيطاليا كثيرا في إصلاح قانون الهجرة إذا كانت تريد اللحاق بركب بقية دول الاتحاد الأوروبي فيما يتعلق بقوانين الهجرة.

وفي حين تقدم فرنسا وألمانيا بالفعل خيار الحصول على حق المواطنة للأطفال الأجانب الذين لديهم إقامة قانونية لمدة خمس وست سنوات على الأقل على التوالي، لا تزال إيطاليا تفرض على المهاجرين الإقامة لمدة عشر سنوات كحد أدنى للحصول على هذا الحق. وفي هذا السياق، قال جوليا: "هناك افتقار لقيادة سياسية قوية تتخذ إجراءات ملموسة ضد ظاهرة كراهية الأجانب".

شباب مهاجر في كل إيطاليا
وذكرت الكاتبة أنه خلال السنوات الخمس الأخيرة، يحاول المزيد من جيل الألفية إثبات قدرتهم على التأثير على المشاعر السياسية من خلال اللجان والاجتماعات، بدلا من الاستمرار بالعيش كأشباح في المكان الذي يعتبرونه وطنهم.

ولكن وفقا ليويانغودا، فإن هذا قد لا يكون كافيا لجذب الانتباه السياسي. وقد نبّهت إلى أنّ الجيل الثاني من الإيطاليّين يحتاج لتمثيل أفضل على المستوى المؤسسي والسياسيّ، وهو أحد أكبر الفجوات في السّياسة الإيطاليّة حاليا.

وفي كل الأحوال، هناك شباب من ذوي الخلفيات المهاجرة في كل مكان في إيطاليا، باستثناء بعض القطاعات الحيوية في المجتمع الإيطالي، مثل الإعلام والسياسة. ويتولى عدد قليل للغاية من السياسيين من ذوي الخلفيات المهاجرة مناصب عامة.

ويعتقد سيموحامد كابور -المواطن المغربي البالغ من العمر 37 عاما- أنهم يجازفون بالتعرّض للانتقاد بسبب خلفياتهم العرقية ومظهرهم بدلا من التوصل إلى نتائج.

ويذكر أن سيسيل كينجي التي شغلت منصب وزيرة التكامل وسياسات الشباب في إيطاليا من عام 2013 إلى عام 2014، أصلها من جمهورية الكونغو الديمقراطية، وتعرضت خلال ولايتها لعدد كبير من الإهانات العنصرية بسبب لون بشرتها، ونعتت بالقردة حتى من قبل عضو سابق في البرلمان من حزب رابطة الشمال سالفيني.

الأجيال السابقة ترى أنه لا يمكن أن يقترن الإيطاليون بالبشرة الداكنة أو الحجاب (غيتي)

جزء من المجتمع الإيطالي
وأوضح كابور، "لقد كنا جزءا لا يتجزأ من هذا البلد منذ عقود وساعدنا في تحويله إلى ما هو عليه في الوقت الحاضر".

ورغم نشأته في إيطاليا منذ سن التاسعة، فإنه غالبا يشعر بأنه "غير إيطالي"، نظرا لأن الناس كانوا ينظرون إليه على أنه أجنبي، وأضاف "الأجيال السابقة لا تفهم تماما فكرة الهوية الحديثة. بالنسبة لهم، لا يمكن أن يقترن الإيطاليون بالبشرة الداكنة أو بالحجاب أو بالميزات الشرقية. لكن يبدو أن جيل الألفية أكثر انفتاحا على هذا الأمر".

وأشارت الكاتبة إلى أن كابور شارك عام 2015 في تأسيس منظمة التنسيق الوطني للأجيال الإيطالية الجديدة، وهي مجموعة تقدم وجهة نظر بديلة حول فوائد المجتمع المتعدد الثقافات بالنسبة لإيطاليا، كما رشّح نفسه لمنصب عمدة مدينة جنوى مسقط رأسه.

وأردف كابور "الإصلاح فرصة للذين يشعرون أنهم جزء من المجتمع الإيطالي للمشاركة على قدم المساواة بالحياة الاجتماعية والسياسية، تمتعنا بالمزيد من الحقوق لا ينتقص حقوق بقية الإيطاليين".

ويعتقد جوليا أن هناك حاجة لمزيد من سنوات التعليم بهدف تطبيع إيطاليا متعددة الثقافات قبل حدوث تغيير فعلي؛ والانطلاق من المدارس الابتدائية هو السبيل للمضي قدما.

توجد بالفعل حملات توعوية على المستوى الجامعي، من خلال مبادرات يقودها الطلاب. ومؤخرا، أطلقت مجموعة من الخريجين من جامعة بولونيا مشروع الهويات غير المحدودة، الذي يهدف لإرسال اختبارات الحمض النووي للسياسيين الإيطاليين عام 2020 وتحديهم للكشف عن أصولهم غير الإيطالية.

وأوضحت روزا ماريا كورو -وهي من مؤسسي المشروع- أن "هذا المشروع يعد بمثابة لفتة رمزية لإشراك المجتمع المدني الإيطالي، وجعل الناس يدركون أن قبول تدفقات الهجرة أمر بالغ الأهمية لخلق مجتمعات حديثة. اختباراتنا مجرد وسيلة لإيقاظ الإيطاليين على فكرة لا يمكن تحملها، مفادها أن كونك إيطاليا هو شيء مرتبط بالدم حصريا".

المصدر : الصحافة الأميركية