الزرنة الجزائرية.. تزف العروس على إيقاعها وترافق الفتى في حفل ختانه

فاطمة حمدي-الجزائر

"من لم تعزف الزّرنة تحت شرفتها وهي تخرج عروسا من بيت أهلها.. لا تزال بكرا".. هكذا ترى السيدة مينة (76 عاما) حالة من تتخلى عن عادة مرافقة الفرق الموسيقية التقليدية المعروفة في الجزائر باسم "الزرنة" للعروس وهي تزف من بيت والدها.

تعد فرق "الزرنة" الجزائرية الموسيقية واحدة من أساسيات الأعراس والحفلات. واسم "الزرنة" مستلهم من آلة "الصرناية" الموسيقية ذات الأصل الفارسي. وتتكون الفرقة من عازفي الآلة النفخية والآلات الإيقاعية الثلاث المرافقة لها.

موسيقى الملوك التي حررها الشعب
يقول العازف الجزائري عبد الرزاق بلفليتي في حديثه للجزيرة نت أن الدايات في العهد العثماني تفرّدوا بسماع الموسيقى من "الزرناجية"، وهم العازفون المكونون للفرقة، وقد "ظهرت في زمن الوجود العثماني بالجزائر ليتم تحريرها فيما بعد من قبل الشعب الذي أصبح يتخذها أهم أدوات الفرح في مختلف مناسباته الاجتماعية".

وكسر الفنان الراحل المعروف باسم "بوعلام تيتيش" قاعدة أن "الزرنة" هي موسيقى للدايات والملوك والطبقة البرجوازية، ليأخذها إلى الشارع لترافق المناسبات المختلفة، فأصبحت منذ عشرات السنين ترافق العروس في خروجها من بيت أهلها، وعودة الفتى من الطبيب في حفل ختانه.. وغيرهما من المناسبات.

وفي "الزرنة" عدة طبوع (إيقاعات) حسب الفنان بلفليتي على غرار النوبة والزنداني والحضرة والخفيف وغيرها. وتتميز كل منطقة في الجزائر بطابعها الخاص، كما تختلف حسب الآلات، في حين تتشارك جميعها في البهجة التي تبثها في النفوس، وفي الأمكنة التي تعزف فيها. 

موسيقى الشعب
في حي باب الواد الشعبي بقلب العاصمة الجزائر ووسط فوضاه، يُسمع صوت "الزرنة" وهي تتقدم، فيعرف الجميع أن عروسا من الحي ستغادر بيت أهلها، أو عريس يستعد ليزف عروسه، فيفسحون الطريق وهو يرقص، إذ -حسبهم- حيثما تحضر "الزرنة" يحضر الفرح.

لا يشترط أن يكون المشارك في الحفل من أهل "الوليمة" كي يتقاسم فرح "المهرجان الشعبي الزرناجي" العفوي.. لا يسألك أحد: هل أنت من أهل العريس أو العروس؟ يكفي أن يكون الراقص من أهل وعشاق "الزرنة" كي يحصل على تأشيرة ممارسة الرقص مع العريس وسط عائلته.

العرس للأهل والزرنة للجميع
"العرس للأهل والزرنة للجميع".. هكذا تقول العادة في الجزائر، فحالما تصل فرقة "الزرنة" إلى الحي حتى يلتف حولها الكبير والصغير، يتبعونها راقصين مصفقين وسط الزغاريد التي تطلقها النساء من شرفات المنازل.

فلا يهم إن كنت معنيا بالزفاف وأهله أو لا، لأن "الزرنة وفرحتها حق الجميع". يقول بلفليتي إن "الزرنة هدية أصحاب الوليمة للجيران والناس، وكأن أصحاب الحفل يريدون بث السعادة التي يشعرون بها في نفوس الجميع".

من جهتها ترى منظمة الحفلات ملاك أن "الزرنة تمثل لدى الجزائريين إعلان الزواج للجيران، كما تعتبر هدية أهل الحفل لهم، حيث يجد الجميع نفسه معنيا بالرقص والفرح لمجرد أن ينفخ الزرناجي أول نفخة في المقطع الموسيقي المستوحى من التراث الجزائري".

من جهته، يرى قائد فرقة "عبد الرحمن الزرناجي" عبد الرحمن زفزاف الذي يمارس هذا الفن منذ أكثر من عشرين سنة، أن "هذا الفن صمد منذ عشرات السنين لأن العائلات الجزائرية العريقة حرصت على توريثه جيلا بعد جيل". 

علم لا عزف اعتباطي
يقول الفنان بلفليتي أنه اختار العزف في فرق الزرنة وقادها في عمر الشباب بعدما تخرج من أحد معاهد الموسيقى الأندلسية. يرى هذا الشاب الذي يحرص وفرقته على ارتداء الأزياء التقليدية، أن "التراث اللامادي الذي تزخر به الجزائر يجب أن يكون له سفراء وحراس كي لا يندثر".

ويروي عازف آلة "الصرناية" أكثر اللحظات المؤثرة التي قاد فيها فرقته في مختلف الاحتفاليات، ويقول "كلها مليئة بالفرح، إلا تلك اللحظة التي نرافق فيها الفتاة وهي تخرج من تحت جناح والدها ويسلمها لعريسها، غالبا ما تكون موجعة رغم أن السعادة التي يحملها الموقف".

تعتقد السيدة فتيحة (65 عاما) أن الزرنة "تبطل العين والحسد عن العرسان لأنها تلهي الجميع عن التركيز معهما نحو التركيز مع الزرنة" التي تلفت الانتباه وتخطف القلوب وتبث الفرح فتزيل الحقد والضغينة وتجعل الجميع يشعر بالفرح. 

المصدر : الجزيرة