نادٍ نهاري يبث روحا جديدة ويسعى لتغيير مفهوم الشيخوخة لدى التونسيين

عدد من كبار السن يمارسون أنشطة رياضية خفيفة بالنادي النهاري "الحياة الوردية" (الجزيرة)
عدد من كبار السن يمارسون أنشطة رياضية خفيفة بالنادي النهاري "الحياة الوردية" (الجزيرة)

مجدي السعيدي-تونس

لا تكاد الابتسامة تفارق وجه الخالة "ربح" وهي تستند إلى عكازها وتدخل بخطوات بطيئة صالة فسيحة بالفضاء الفاخر في منطقة حي النصر، إحدى المناطق الراقية بالعاصمة تونس، والذي حوله صاحبه إلى "محضنة نموذجية للمسنين" في تجربة تبدو فريدة من نوعها وغير مسبوقة بتونس.

تلقي "ربح السمراني" التحية على الحاضرين ثم تجول ببصرها في الفضاء الذي تملؤه الأرائك الوثيرة وتعلو جدرانه الستائر ذات الألوان الجميلة، في حين ينبعث صوت موسيقى هادئة تضفي على المكان مزيدا من الأنس.

تقول المرأة البالغة 66 عاما "أقطن بمنطقة برج الوزير (شمال العاصمة تونس) ليس لي أبناء ولكن تؤنسني رفقة بنات أخي اللاتي يقمن معي، لكن تجربة الانخراط بالنادي النهاري الحياة الوردية تغريني وتمنحني فرصة إنشاء صداقات جديدة والمشاركة في مختلف الأنشطة مثل الرحلات بدل البقاء بالبيت".

 ربح السمراني تسعى للاستفادة من الخدمات التربوية بالنادي (الجزيرة)

فك عزلة البيت
كانت الخالة ربح تعمل بأحد معاهد التعليم، ومنذ تقاعدها وجدت نفسها إزاء حياة جديدة يملؤها القلق، فانضمت إلى "جمعية كفاءات المتقاعدين" بأريانة ثم وجدت في الاستفادة من خدمات "النادي النهاري الحياة الوردية" الحل الأمثل لفك العزلة على امتداد اليوم قبل العودة مساء إلى منزلها، على حد تعبيرها.

وتقول للجزيرة نت "الفضاء جميل ويغري بأن نجتمع فيه للتعارف وتبادل الخبرات في مهارات عدة بدل المكوث أطراف النهار بالبيت، انتمائي لجمعية كفاءات المتقاعدين حفزني للقدوم إلى هنا والمواظبة على الحضور باستمرار".

يبدو مركز "الحياة الوردية" أول ناد نهاري في تونس يحمل مواصفات نموذجية ويوفر خدمات تربوية وترفيهية وصحية ورياضية تجعله شبيها بمراكز المسنين بأوروبا، ويفتح أبوابه كامل أيام الأسبوع من السابعة صباحا إلى الثامنة مساء ليستقبل عشرات المسنين ممن تجاوزوا عتبة الستين.

الهاني الفرحاني: المشروع كان حلما يراودني قبل تقاعدي (الجزيرة)

وفي حديثه للجزيرة نت، قال مدير "نادي الحياة الوردية" الهاني الفرحاني أن "المشروع كان حلما يراودني قبل تقاعدي من العمل ولم يمر وقت طويل على ذلك حتى بادرت إلى إنشاء الفضاء الذي توافد عليه منذ يومه الأول عدد من كبار السن".

حياة المتقاعد
ويقول أستاذ اللغة الفرنسية السابق "حياة المتقاعد في تونس مغبونة (مهمشة) ويكاد يقتلها الفراغ، فكرت في إنشاء ناد نهاري بخدمات تختلف عما تقدمه مراكز إيواء المسنين لبث روح جديدة في حياة هذه الفئة، فهنا لا يأتي (المسن) للإقامة فحسب بل يمارس أنشطة عدة، مثل الرياضة والمطالعة والرحلات، المركز ثقافي واجتماعي يسعى إلى تغيير مفهوم الشيخوخة لدى التونسيين".

وبلغ عدد المنخرطين بالنادي 15 مسنا من الرجال والنساء وينتظر أن يتوافد عديد المتقاعدين وكبار السن للانخراط، أما رسوم التسجيل فتتراوح بين ستين دينارا (21 دولارا) وستمئة دينار (210 دولارات) حسب الخدمات المقدمة والتي تشمل الرحلات الاستشفائية والفحوصات الطبية والتغذية والتنقل بين المركز والبيت وغيرها، وفق المتحدث.

 توفيق معمر: الانخراط بالنادي النهاري تجربة تفتح آفاقا رحبة لمن هم في مثل سني (الجزيرة)

بدوره يرى الموظف البنكي المتقاعد توفيق معمر أن تونس تعد الكثير من مراكز رعاية كبار السن والمتقاعدين ولكن مركز "الحياة الوردية" يبدو نموذجا فريدا بحسب وصفه.

ويقول للجزيرة نت: بدل أن أتردد يوميا على المقهى وجدت أن الانخراط في هذا النادي النهاري تجربة تفتح آفاقا رحبة لمن هم في مثل سني، المركز يمنحنا أيضا فرصة استضافة أبنائنا وأحفادنا للحديث في مجالات حياتية هادفة، لا بد أن يغير كبار السن نظرتهم لمرحلة ما بعد التقاعد.

يتلقى المسنون خدمات صحية ومراقبة طبية (الجزيرة)

فن ورياضة
ويضم المركز غرفا نموذجية لمن هم في سن متقدمة، وبه فضاءات لممارسة أنشطة رياضية خفيفة مثل التنس والكرة الحديدية وتتوسطه قاعة للمطالعة، ومركز للخدمات الصحية فضلا عن الاهتمام بالصحة النفسية للمسن وفق ما أكدته للجزيرة نت طبيبة الشيخوخة فاتن بن يحيى.

 الفنان لطفي بوشناق (الثاني من اليسار) حضر افتتاح المركز (الجزيرة)

وسجل افتتاح النادي حضور الفنان لطفي بوشناق الذي أبدى استعداده لتقديم دروس موسيقية للمسنين بالمركز وإحياء حفل غنائي لفائدتهم، كما تكفل الاتحاد التونسي للرياضة للجميع بالإشراف على بعض الألعاب الرياضية.

وتعد تونس عشرات المراكز لرعاية كبار السن وتسمى "دور المسنين" وهي تحت إشراف وزارة المرأة والطفولة والمسنين، وتوجد مراكز أخرى خاصة وتقدم خدمات عدة كما تتكفل بإقامة المسنين بمقابل مادي.

 الصالة الرئيسية تشهد حوارات وتبادل أطراف الحديث (الجزيرة)

مهمة شاقة ونبيلة
وتبدو تجربة دور المسنين الخاصة أمرا لافتا وفرصة لمعاضدة جهود السلطة في الرعاية بهذه الفئة التي تمثل نسبة عالية من إجمالي عدد السكان، وفق نادية الرحالي مندوبة وزارة المرأة والطفولة وكبار السن بمحافظة أريانة (شمال).

وتقول الرحالي للجزيرة نت: السلطة تعتبر أن رعاية كبار السن مهمة شاقة ونبيلة وأن نظرة هذه الفئة لنفسها لا بد أن تواكب التحولات التي يشهدها العالم وأن تتفرغ لفك العزلة بعد عقود في تربية الأبناء وتحمل أعباء الحياة.

ويبلغ عدد المسنين نحو مليون ونصف المليون أي ما يناهز 12% من إجمالي عدد السكان حسب تقارير رسمية للمعهد التونسي للإحصاء للعام 2018، وتشير التقديرات إلى تضاعف عددهم في أفق سنة 2029.

 نادية رحالي: عدد المسنين نحو مليون ونصف المليون أي 12% من إجمالي عدد السكان (الجزيرة)

 

المصدر : الجزيرة