بالفيديو- بعد ربع قرن من الزواج.. يزيد يرى النور في بيت معاوية

عاطف دغلس-اجنسنيا/نابلس

هي المرة الأولى التي تعود فيها غدير جمال بعد نحو ربع قرن من زواجها إلى منزلها وهي تحمل بين يديها شيئا غير الطعام والشراب، أو حتى الأثاث مما اعتادت حمله من تحف تملأ منزلها وتتزين بها جدرانه، إنه طفلها الأول والوحيد يزيد، الذي ولد في نابلس قبل أسبوعين بتاريخ 14 من الشهر الجاري.

بعد سنوات طويلة من الحرمان، رزقت غدير المنحدرة من قرية اجنسنيا قضاء مدينة نابلس (شمالي الضفة الغربية) بطفلها البكر يزيد، الذي انتظرته وزوجها معاوية ربعية سنوات طويلة، ربت فيها أجيالا من أبناء أسلافها وشقيقاتها وأشقائها، وحملتهم باليدين ذاتهما إلى أن غدوا شبانا.

فرحة العمر
بحرص شديد تحمل غدير (39 عاما) طفلها يزيد، وتغطي جسده النحيل بملابس ثقيلة كي تجنبه برد الخريف وأمراضه، كانت تتناوب وزوجها حمله إلى عيادة الأطفال بمشفى الاتحاد بمدينة نابلس، حيث وضعته قبل أسبوعين للاطمئنان عليه.

في ظروف طبيعية حملت غدير بطفلها من دون أن تعرف ذلك، ولم تعر كلام النسوة حول تغير مظهرها الخارجي بما يعكس علامات الحمل اهتماما كبيرا، وترد عليهن بأنها آثار وضعها الصحي (إفرازات هرمون الحليب المتقلبة) لتكتشف حملها بعد نحو خمسة أشهر.

تناغي أم يزيد طفلها الرضيع وتضعه بلطف فوق سرير خشبي ابتاعته خصيصا له، وجعلته لجانبها بغرفة نومها، وتقول للجزيرة نت والابتسامة لا تغادر وجهها: إنها وزوجها لم يقطعا أمل الإنجاب برهة، رغم كل الظروف العصيبة، وأن الأمر يحتاج لصبر.

يزيد معاوية ولد بعد نحو ربع قرن من الانتظار في نابلس (الجزيرة)

الأمل باب العلاج
حتى لحظة حملها لم تكن غدير تعرف ذلك، واستبشرت خيرا بكلام والدتها التي توفيت في رمضان الماضي وهي تخبرها أن علامات حمل تظهر عليها، لكنها رفضت إجراء فحص للحمل، كي لا يخيب ظنها وتسوء حالتها.

وفور عودتها من الأردن عقب وفاة والدتها طرقت غدير باب أحد المختبرات الطبية لينبئها بخبر أثلج صدرها وأسال دمعها فرحا، حتى أنها كادت تفقد وعيها، فقد كانت كما تروي "لحظة صعبة وربما أشد من آلام الولادة القيصرية وتبعاتها".

صدمة الفرحة
وفور وعيها اتصلت بزوجها لتخبره بالأمر، ليعيش هو الآخر "صدمة الفرحة"، ويغادر مكان عمله عائدا للبيت، وهو مجهش بالبكاء المختلط بالضحكات.

منذ أن تزوج معاوية ابنة عمه غدير عام 1997 لم يشعر بمثل هذه السعادة، لا بل إن حياته بدأت منذ هذه اللحظة، وطاقته تضاعفت في العمل وحب الحياة وتوفير كل ما يحتاجه يزيد بعد أن كانت الهواجس تساوره طوال سنوات زواجه عن "سر تمسكه بالحياة والعمل ولمن يدخر عوائده، فهو بلا ولد".

بعد أن عرف معاوية (46 عاما) ضعف قدرته الإنجابية بعد زواجه لم يترك وسيلة للعلاج إلا أخذها، وتنقل بين الضفة الغربية والداخل الفلسطيني المحتل والأردن، واستمر في ذلك حتى وقت قريب، حيث أنهكته العلاجات المختلفة وسلم أمره لله.

في صغره أصيب معاوية بمرض النكاف (أبو ضغيم) وهو ما انعكس على وضعه الصحي حسب ما ظهر للأطباء، وأسهم بشكل كبير في تأخر إنجابه، لا سيما أنه لم يصب بأي مرض آخر، وأن علاجه قد يطول.

ماجد أبو جيش طبيب الأطفال والمشرف على ولادة يزيد يفحصه بشكل دوري (الجزيرة)

فرح الجميع
لا يكاد يُصدق معاوية اليوم أنه يحمل طفله بين يديه، وأن تلك السنين الطويلة مرت كلمح البصر، حتى أنه نسي علاجه المرهق والمكلف ماديا لنحو عشرين عاما، وانشغل بتزيين منزله بكل أشكال الزينة ترحيبا بطفله التي انهالت عليه من كل مكان من أقاربه وأمثالهم.

في حجرة الصبي الذي يغرق في أحلامه أكثر من ستين ثوبا جديدا أغدقت عليه من أقاربه ومن والديه، أما الألعاب فقد ركنت جانبا بانتظاره حين يكبر، أما أشكال الزينة من البالونات والمصنوعات الورقية والخشبية فقد طغت على المكان الذي يضج بالتحف بأشكالها المختلفة.

وتتواصل الاحتفالات
ولا يزال أهالي القرية ونساؤها رغم انشغالهم بموسم الزيتون يتقاطرون مهنئين بقدوم يزيد، خاصة ممن تأخرن في الإنجاب للسؤال عن وصفة الدواء التي استخدمها معاوية وزوجته.

وفي المقهى، حيث كان يقضي معاوية جل وقته، ولا يعود لبيته حتى منتصف الليل؛ احتفل أصدقاؤه بطفله يزيد، وقدموا الكنافة النابلسية ابتهاجا، وجعل شقيق معاوية مركبته الخاصة تحت إمرته، فضلا عن السؤال الدائم من الأقارب عن يزيد وحاله.

تشير بيانات الجهاز المركزي الفلسطيني للإحصاء إلى أن معدل المواليد الخام في عام 2018 في فلسطين 30.5 مولودا لكل ألف من السكان؛ 28.0 مولودًا في الضفة الغربية، و34.4 مولودًا في قطاع غزة.

 ماجد أبو جيش طبيب الأطفال والمشرف على ولادة يزيد نصح الأزواج بمراجعة طبيب النساء والتوليد بعد سنة من الزواج (الجزيرة)

وقت المراجعة
ويقول ماجد أبو جيش طبيب الأطفال ومدير مشفى الاتحاد إن يزيد من الحالات النادرة لكونه ولد بحمل طبيعي (دون تلقيح أو زراعة) وبصحة جيدة (ثلاثة كيلوغرامات)، ويقول للجزيرة نت "مرض النكاف عند معاوية أصاب أعضاءه التناسلية وأخّر الحمل هذه الفترة، ولم يكن يعاني من العقم أو غيره".

وينصح أبو جيش الأزواج بضرورة مراجعة الطبيب بعد عام من الزواج ما لم يكن هناك استخدام لأية موانع حمل للعلاج والمساعدة على الإنجاب، خاصة في ظل "انتشار المراكز المتخصصة لمعالجة العقم بمختلف المناطق الفلسطينية".

على هاتفها النقال جعلت غدير صورة طفلها يزيد خلفية للشاشة الرئيسية، وكذلك فعل زوجها معاوية فرحا به، وهما يتفقدانه كل حين، لا سيما والده الذي يظل متواجدا في المنزل مع زوجته؛ وهو المكسب الآخر الذي تبحث عنه الزوجة طوال تلك السنوات.

المصدر : الجزيرة