حاسوب صغير تلقاه هدية في طفولته.. يوصل معلّما مغربيا لجائزة دولية

حصل عبد الله وهبي (الثاني من اليمين) على جائزة أفضل مدرس عالمي في مسابقة دولية (الجزيرة)
حصل عبد الله وهبي (الثاني من اليمين) على جائزة أفضل مدرس عالمي في مسابقة دولية (الجزيرة)

عبد الغني بلوط-مراكش

في صباح جميل من أيام شهر سبتمبر/أيلول الماضي، يسارع الأستاذ عبد الله وهبي الخطى متلهفا إلى لقاء تلامذته بمدرسة نائية في إحدى ضواحي تزنيت جنوبي المغرب.

ما أن يدخل الصف وهو يحمل بشارته حتى تتعالى هتافات الترحيب وترفع شارات النصر، ويتبادل الجميع العناق في جو حميمي قلّ نظيره.

يقول عبد الله بكلمات هادئة ممزوجة بفرحة عارمة للجزيرة نت "كان اللقاء ذلك اليوم مميزا بعد العودة من سفر إلى الهند، تفاعل تلامذتي الصغار الإيجابي كان لي دائما حافزا من أجل الإبداع والابتكار وتعبيد الطريق نحو التميز".

عبد الله لحظة تسلمه الجائزة يشعر بالفخر بانتمائه لبلد إسلامي وأفريقي وأسرة أمازيغية (مواقع التواصل)

مشروع رقمي مبدع
حصل عبد الله وهبي على جائزة أفضل مدرس عالمي في مسابقة دولية عن مشروع رقمي مبدع طوّر من خلاله "سبورة تفاعلية بديلة" لا يتعدى ثمنها 600 درهم مغربي (حوالي 60 دولارا)، وتسلم جائزتها في مدينة نيودلهي الهندية.

في ذلك المحفل العالمي الكبير، توشح عبد الله العلم المغربي وهو يشعر بالفخر بانتمائه إلى بلد إسلامي وأفريقي وإلى أسرة أمازيغية شرب من معينها كل مقومات النجاح. 

يتذكر عبد الله كل تلك الأيام التي قضاها من أجل إنجاح مشروع قادر على تحويل الفصل الدراسي من مكان عمل روتيني إلى فضاء لتعليم مبدع حقيقي.

تقنية البث المباشر
يعمل عبد الله وهبي منذ 12 سنة في مدرسة نائية بأعالي جبال الأطلس تسمى المسيرة الخضراء بـ"تيزي ونبد" على مشارف فج جبلي.

حين تتجول في فصله تجده على غير العادة مجهزا بحواسيب ومعدات إلكترونية حديثة، في حين يحظى كل تلميذ بلوحة لمسية تغني عن كثير من الكتب والمقررات الدراسية.

يقول عبد الله (37 عاما) عضو منصة المعلمين العالمية "تكون الفرحة كبيرة لدى التلاميذ وهم يقدمون مشاريعهم الفصلية أمام نخبة من تلاميذ العالم عبر تقنية البث المباشر".

ويضيف "ما يتعلمون في تلك الحصة يساوي أياما دراسية بالطريقة التقليدية".

المدرس المغربي عبد الله يرفع اسم بلده في حفل تسلم الجائزة في نيودلهي (مواقع التواصل)

شبكة مهارات المستقبل
قبل سنوات كانت المنطقة شبه معزولة عن العالم الخارجي، لكن بوجود مدرس موهوب عملت الساكنة وجمعيات مدنية وشركة مواطنة ما في وسعها من أجل ربطها بشبكة إنترنت عالية الجودة.

أصبحت تلك المدرسة القروية ليس فقط ملاذا آمنا للتلاميذ يقبلون عليها بشغف كبير، بل أيضا منصة لتبادل المعلومات والأفكار مع تلاميذ من مختلف دول العالم، يقول أب أحد التلاميذ.

ويحكي عبد الله وابتسامته المعهودة لا تفارقه "تشعر بالسعادة وأنت ترى التلاميذ مقبلين على التعلم، يسبقون عصرهم من أجل اكتساب مهارات تنفعهم في المستقبل".

أفكار تعليمية إنسانية
في فصل عبد الله تشعر أن الجميع متحررون من رهبة الأقسام الدراسية ومنطلقون إلى تعلم المزيد، كما يشير زميل عبد الله في العمل الأستاذ العربي إبراهيم، حيث يمتزج الشغب الطفولي مع حب الاستطلاع في جو تعليمي مرح.

ينظر عبد الله في ممارسته لمهنته إلى أبعد مدى، فاللوحة التفاعلية ما هي إلا وسيلة تعليمية، لأن الأهم من ذلك في رأيه هو أن ترسخ في ذهن الصغار قيم إنسانية نبيلة للتسامح والمواطنة، ويكسبون حسن التواصل والتفكير النقدي والابتكار والإبداع.

يصفه العربي في حديث للجزيرة نت بالمتواضع والخلوق والمنفتح على محيطه بخلفية عمل مدني متميز في جمعيات محلية ووطنية في مجال الثقافة والتربية والشؤون الاجتماعية.

عبد الله لا يريد أن تبقى أفكاره حبيسة فصله ويطمح في تعميم تجربته بكل الفصول الدراسية (الجزيرة)

شغف التكنولوجيا الحديثة
ويشرح العربي "بفضل صبره وشغفه العلمي استطاع عبد الله أن يصل إلى العالمية منطلقا من إيمانه بأفكاره المبدعة".

شغف عبد الله بالتكنولوجيا الحديثة بدأ منذ نعومة أظافره، كانت هدية عبارة عن حاسوب صغير تلقاه من قريب يعمل في المهجر بداية اكتشافه لعالم فريد تعلق به.

ويوضح عبد الله "ما كنت أتعلمه كان دائما يدخل في المجال النظري إلى أن أتيحت له فرصة التعبير عن أفكاري في المدرسة العمومية".

في حين يضيف المسؤول بوزارة التربية الوطنية المغربية محمد أبو علي للجزيرة نت "يمارس عبد الله مهنة التعليم في السلك الابتدائي عن حب كبير، بدأت فكرة اختراعه عندما انخرط في مسار تكويني خاص بإدماج المعلومات في المنظومة التعليمية".

ويبرز المنسق الإقليمي لبرنامج "جيني" أن ما يميزه هذا المدرس هو حبه الدائم للتعلم باستمرار وتطبيق ما تعلمه على أرض الواقع.

أجواء التعلم الذكي
لا يريد عبد الله أن تبقى أفكاره حبيسة فصله، يطمح هذا المدرس إلى أن تعم تجربته كل الفصول الدراسية، فقد عمل على تأطير أكثر من 400 أستاذ في هذا المجال ويتطلع إلى المزيد.

ويعتبره أبو علي قدوة لعدد من الأساتذة الذين يسيرون على نهجه في مجال استعمال التكنولوجيا في الفصول الدراسية.

حين يغادر عبد الله فصله مساء بعد نهاية يوم دراسي يبقى قلبه متعلقا بتلاميذه الذين يحفظ أسماءهم واحدا واحدا كأنهم أولاده، يقول مودعا إنه سينتظر يوما جديدا للعودة إلى أجواء التعلم الذكي للقاء تلاميذ اليوم وأطر الغد.

المصدر : الجزيرة