قصة السبيل في مصر.. صدقة تروي ظمأ العطشى على مدار التاريخ

سبيل محمد علي في شارع المعز تحفة فنية تغري السياح بالتصوير (الجزيرة)
سبيل محمد علي في شارع المعز تحفة فنية تغري السياح بالتصوير (الجزيرة)

عبد الله حامد-القاهرة

لم ينقطع السبيل بالعطشى في مصر على مر العصور منذ الفتح الإسلامي، فكان في كل شارع سبيل مياه يروي ظمأهم، لكنه اتخذ أشكالا متباينة، يكشف كل منها عن حال عصره.

في البدء اتخذ السبيل شكل تحفة فنية معمارية، ثم تحوّل لمبنى خدمات قبل أن يصل إلى حالته الراهنة بوصفه مجرد أداة للشرب على الطريق، يهتم واضعوه بحمايته ويهملون أحيانا صيانته.

صدقة جارية
انتشرت ظاهرة الأسبلة المبردة في مصر قبل سنوات مع نزوع كثير من المصريين لوضع مبردات مياه في الطرق العامة والمساجد بهدف كسب الثواب أو كصدقة على روح متوفى، ويطلق عليها عادة سبيل مياه.

من الجولة السريعة في شوارع القاهرة، يمكن ملاحظة تراجع هذه الظاهرة، لا بسبب شح مياه النيل المتدفقة في مواسير المياه وصولا للأسبلة، ولكن بسبب تزايد سرقة هذه المبردات من ناحية، وارتفاع ثمنها مع تراجع الدخل لدى المصريين من جهة ثانية، وتفضيل آخرين طرقا أخرى لكسب الثواب كالتصدق مباشرة للمستشفيات والمحتاجين من جهة ثالثة، فضلاً عن الخوف من رداءة تصنيعها التي تسبب حالات وفاة.

ومن أمثلة ذلك عبد الباسط وهو فلاح صعيدي بسيط دفعه عطشه إلى إسراع الخطى نحو مبرد مياه معدني بجوار مسجد على الطريق كسبيل لسقيا العطشى، فكانت نهايته صعقا بالكهرباء الموصلة بالمبرد في إحدى قرى مركز قوص بمحافظة قنا جنوبا.

وتكررت حوادث وفاة مصريين صعقا عند الاقتراب من مبردات المياه المنتشرة كسبيل للسقيا على الطرق مثلما جرى في منطقة المطرية بالقاهرة قبل شهور.

باعة المبردات الحديثة يشكون الركود (الجزيرة)

السبيل الفخاري
وعادت للظهور الأسبلة الفخارية التي كانت منتشرة قبل ظهور الكهرباء، ويسمى الحجم الكبير منها بـ"الزير"، أما الحجم الصغير فيسمى بـ"القلة"، وكلاهما وعاء فخاري للماء.

وهي مع رخص ثمنها لا تغري اللصوص بسرقتها، في حين تقدم للعابرين العطشى المياه النقية.

ويفضل عاصم -وهو موظف بالمعاش- الشرب من "الزير" على المبرد المعدني، فهو أنقى ماء وأكثر رواء، فضلا عما يمثله من استدعاء لذكريات الطفولة، حيث لم يكن موجودا في بلدته بالصعيد حيث إذ نشأ قبل نزوجه للقاهرة، إلا الزير وسيلة لشرب ماء بارد.

فى شارع المعز لدين الله الفاطمي، تجتمع الأسبلة من مختلف العصور، أقدمها يتجاوز عمره التسعمئة، وتحديدا خلال العصر الأيوبي، حيث بداية ظهور فكرة الأسبلة على يد عدد من الأمراء الأيوبيين، كوقف خيري لله تعالى.

وانتشرت الأسبلة في العصر المملوكي منذ ستمئة عام، ورغم قسوة حكم المماليك فإنهم لم ينسوا أن يؤمّنوا المياه للمارة في الطرقات، وتبرز المقارنة ما بين كتلة من الحديد الصامت الجاف في مظهره والذي ينتهي بصنبور يرتبط في آخره بسلسلة مربوطة بكوب بلاستيكي، وما بين سبيل قديم أخّاذ كتحفة معمارية تأخذ بالألباب.

على السبيل الحديث لا يخلو مبرد من عبارة "نرجو الدعاء للمرحوم فلان الفلاني" المكتوبة بخط رديء وبحروف ناقصة أحيانا.

أما السبيل المملوكي فكان تحفة معمارية تتضمن أبياتا شائقة من الشعر المرسوم بأيدي أمهر الخطاطين النحاتين، يتوقف العطشان ليشرب ويتسرى أثناء شربه بأبيات "يا وارد الماء الزلال الصافي .. اشرب هنيئا صحة وعوافي".

وفي سبيل آخر تنطق آية قرآنية كريمة بالقول "إن الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافورا" أو آية "ويسقون فيها كأسا كان مزاجها زنجبيلا، عينا فيها تسمى سلسبيلا".

وظلت الأبيات تزين الأسبلة العثمانية بهذه الكلمات:
أنشأ الأمير ســــــــــبيلا لا نظــــير لـه     فجاء في كل حسن لاح منفردا
في طالع السعد قد أبدى محاسنه     وللثواب وفضل الله قد قصدا

المفاجأة المدهشة في هذه الأبيات أنها تحمل في طياتها سنة إنشاء هذا السبيل، وذلك عن طريق ما يعرف بحساب الجُمل، وهي طريقة استخدموها قديما للتعريف بتاريخ معين من خلال حساب مرتبط بالأبجدية، مما يعني أن كل حرف من حروف الأبجدية يساوي عددا من الأعداد الحسابية بعينه، وبجمع هذه الأعداد تتوصل إلى معرفة تاريخ إنشاء هذا البناء. 

تراجع انتشار المبردات المعدنية بسبب مخاوف من اللصوص وتردي جودتها (مواقع التواصل الاجتماعي)

الطابع المعماري
ورغم تطور الأسبلة، فإنها التزمت طابعا معماريا واحدا لم يختلف عبر العصور إلا ببعض التطور البسيط، بحسب علا عبد النعيم، وهي مفتشة آثار بالقاهرة.

ويتكون السبيل في الغالب من طابقين، أولهما عبارة عن بئر محفورة في الأرض بها ماء النيل أو الأمطار يعلوها غطاء أو سقف رخامي، أما الطابق الثاني فهو "حجرة التسبيل" أو حجرة "المزملاتي"، وهو المسؤول عن رفع المياه من فتحة البئر بسحب الماء بواسطة قنوات معينة تحت البلاط المصنوع من الحجر.

و"المزملاتي" ليس شخصا عاديا، بل هو "موظف" بمواصفات خاصة، يشترط فيه نظافة الثياب وقوة البدن والجسم، والتلطف مع الناس والمعاملة بالحسنى.

والهدف المعلن لمعظم أصحاب الأسبلة كان عمل الخير، ولكن أيضا كان لإنشاء هذه المنشأة الخيرية أحيانا بعض الأسباب السياسية.

ففي عام 1867، أنشئ سبيل "أم عباس"، وتحكي لنا كتب التاريخ أن المصريين لم يكونوا يرتاحون إلى الخديوي عباس حلمي، فقررت والدته أن تنشئ سبيلا لتضمن دعاء الناس لولدها، وأصرت على أن يسمى بسبيل "أم عباس"، ليرتبط مؤشر الخير هذا في أذهان العامة بذكر الخديوي عباس.

وكانت الأسبلة تستخدم في الطابق الثاني منها ككتاتيب (مدارس لتعليم طلبة الصف الإلزامي) لتعليم اللغة العربية وتحفيظ القرآن، هنا للسبيل وظيفة مزدوجة ليطلق عليه "سبيل وكتاب".

وأحيانا كان لوقف السبيل منافع تعود على الواقف نفسه، حيث يحمي أمواله من المصادرة والاغتصاب، بالإضافة إلى أن الأسبلة كانت تقام أحيانا بهدف خدمة المنشأة الملحق بها السبيل.

على بعد بضعة كيلومترات من شارع المعز، يقف ماهر، وهو بائع بمتجر لبيع المبردات المعدنية بشارع نجيب الريحاني بوسط القاهرة، منتظرا زبائن لم يعودوا بالكثافة نفسها قبل سنوات.

يؤكد ماهر تراجع المبيعات بالفعل، موضحا أن الأمر مرده الظروف الاقتصادية التي أدت لتراجع مبيعات معظم السلع، نافيا أن يكون التراجع بسبب رداءة هذه النوعية، فهناك أنواع عديدة منها وكانت تباع بالآلاف ولا يمكن الحكم على جودتها من حالتين أو ثلاث.

المصدر : الجزيرة