الساوية.. قلعة "القطين" الصامدة بوجه الاحتلال

عاطف دغلس-الساوية

بالكاد تجد وقتا فارغا هذه الأيام لدى المزارع الفلسطيني عودة الخطيب، فهو منشغل بالعمل في أرضه بقريته الساوية التي تشهد تتابعا في المواسم الزراعية بين التين والزيتون والعنب، بعدما أنهت قريبا موسم الحصاد.

في المشهد العام، تنفرد القرية الوادعة فوق تلة جبلية على الطريق الرئيسي الواصل بين مدينتي نابلس ورام الله بمنظر خلاَّب، جعلها محط أطماع الاحتلال الإسرائيلي ومستوطنيه الذين يُطوِّقونها ببنائهم الضخم والمتسارع.

ولتسمية الساوية روايات عدة، تقول إحداها: إنها كانت تشكل نقطة ارتكاز وانتصاف فلسطين، وتربط بين الشمال والجنوب والشرق والغرب، وأخرى تشير إلى أنها كانت نقطة تجمع القبائل والعشائر لحل خلافاتها وتسويتها، وثالثة تقول إنها مكان التقاء القوافل التجارية.

القطين بعد ترصيعه (ضغطه) ثم تخزينه (الجزيرة)

بدعة أهالي أم التين
كواحد من سكان الساوية، ينشغل عودة الخطيب (58 عاما) في عمارة أرضه بالمنطقة الشمالية، وهي ثالث قطعة يستصلحها منذ أن عاد من غربته بالخارج مطلع تسعينيات القرن الماضي، ويستعد لزراعتها فور تقاعده من وظيفته في سلطة الأراضي خلال الفترة القادمة.

يعكف عودة على زراعة أشجار التين، فهو بدعة أهالي قريته ومهنتهم لسنوات طويلة، وقد سميت قديما به "أم التين"، فضلا عن مردوده الاقتصادي الجيد وحمايته للأرض من التغول الاستيطاني.

يرابط الرجل في أرضه وكأنها آخر القلاع، يحاول منع سقوطها بغرسها بزراعة جديدة من التين، ولا سيما النوعين "الحماظي والبياضي" (الأسود والأبيض)، ليكون هو وثلة آخرون من أهالي قريته متمسكين بتراث قريتهم المشهورة بالقطين (التين المجفف).

عودة الخطيب وزوجته يعملان في القطين منذ سنوات طويلة (الجزيرة)

أوتاد الأرض
حين التقيناه، كان عودة وزوجته ختام الخطيب (أم العبد) يهمَّان للذهاب للأرض بعد أن عاد من وظيفته "الرسمية"، حيث ستجده بعد قليل بثياب العمل المعفرة، يركب جراره الزراعي وإلى جانبه زوجته ذات الباع الطويل في زراعة التين وقطفه.

يزرع عودة الآن أكثر من 150 شجرة تين في أراض استصلحها سابقا ويعتني بها جيدا، لتدر عليه موسما "ماسيا" من القطين يعينه على شظف العيش، فالراتب كما يقول: "لا يكفي حتى منتصف الشهر".

عودة وزوجته ينتقيان حبات التين الجيدة والجافة ليتم رصعها (ضغطها) تمهيدا لتخزين القطين (الجزيرة)
تقنية تحويل التين إلى قطين
وتحتاج عملية القطف والتحضير للقطين خبرة قلما تجدها عند غير عودة أو أهالي قريته، فالتين يترك على الأشجار حتى ينضج جيدا ويصبح وكأنه يتساقط وحده كي يذهب منه أكبر كم من المياه، ثم يفرد فوق طبقة خفيفة من التراب الناعم تعرف "بالسمكة" لنحو خمس أيام حتى يجف أكثر، ثم يفرز بين صلب وطري وينتقى الأجود منه.

يتابع عودة بينما يجلس إلى جانب زوجته ينتقي حبات التين قائلا: إنه بعد أخذ الحبة الجيدة والجافة يتم رصعها (ضغطها) بإصبع الإبهام، ثم ترتب فوق بعضها وتترك زمنا قبل وضعها داخل عبوات محكمة الإغلاق، "وتخزن لفترات طويلة دون أية إضافات أو مواد حافظة".

التين الأبيض من أفضل أنواع التين لإنتاج القطين (الجزيرة)

ينتج عودة أكثر من 300 كيلو قطين سنويا، وهو محصول "جيد" بحسب وصفه في ظل تراجع العمل به بشكل كبير كمهنة في قريته أو بغير مكان، فالقرية كانت تنتج قرابة ألفي طن سنويا قبل ثلاثة عقود.

لهذا فإن معظم الأهالي يعرفون جيدا طريقة عمل القطين، ويعدونه للأكل منزليا وليس تجاريا كحال عودة وبعض المزارعين.

يفرد التين ليجف تحت أشعة الشمس لنحو خمسة أيام (الجزيرة)

غذاء وعلاج و"خبز للفقير"
وهي تجلس فوق سطح منزلهم وتقلب حبات التين التي ستغدو قطينا مفيدا صحيا لأمراض عدة أهمها الإمساك والسعال، لا تكاد ختام الخطيب (أم عبد الكريم) تتوقف وهي تحصي لنا فوائده، وتكتفي بالمثل الفلسطيني الشائع "وقت التين فش (لا يوجد) عجين"، دلالة على كونه غذاء متكاملا وصحيا للجسم فضلا عن وصفه بـ"خبز الفقير".

يمكن نقع القطين في زيت الزيتون لليلة كاملة، ثم يُؤكل في اليوم التالي بعد شرب الزيت، وكذلك يفضل آخرون تغميسه في كوب شاي ساخن لجعله طريا ثم تناوله.

بكفيها المخضبتين بالحناء تمسك أم عبد الكريم حبات التين الجيدة وتضغطها بأصابعها لتعرف الجاف منها، ثم ترتبها في وعاء كرتوني قبل أن تخزنها بقارورات بلاستيكية تمهيدا لبيعها بسعر يصل لنحو 18 دولارا للكيلو الواحد، وميزان السعر هو نوع القطين ولونه أبيض أو أسود، ولديهم زبائنهم من مختلف مدن الضفة الغربية.

عملية ترصيع القطين (الجزيرة)

متراس الأرض وخوابي القطين
لا يخلو يوم دون ذهاب الزوجين عودة وختام سوية للأرض وخاصة خلال موسم التين، يتفقدان أشجارهما ويعتنيان بها ويراقبان أرضهما خشية امتداد أيادي المستوطنين إليها ومنعا لأية اعتداءات تشنها الخنازير البرية التي يطلقونها لتخريب أراضي الفلسطينيين وتدميرها.

تواجه الساوية الاستيطان بكل قوتها، فحتى الآن تبتلع مستوطنتا رحليم وعيلي قرابة أربعة آلاف دونم (الدونم ألف متر مربع) من أراضيها التي تزيد على عشرة آلاف دونم.

جانب من مستوطنة عيلي الجاثمة على أراضي الساوية والقرى المحيطة بها (الجزيرة)

يقول رئيس المجلس القروي للساوية مراد أبو راس إنهم يواجهون الغول الاستيطاني بعمارة أراضيهم واستصلاحها بالزراعات المختلفة ولا سيما التين والزيتون وكروم العنب، فهناك تمسك بالأرض رغم "التوجه الملحوظ للوظيفة"؛ ويعكس صحة قوله آثار معصرة زيتون حجرية يزيد عمرها على ثمانين سنة نصبت عند مدخل القرية بعدما توقف عملها قبل عدة أعوام.

يذكر الستيني أبو راس جيدا طرق تخزين القطين في "الخوابي" (حجرات صغيرة) في جدران البيوت القديمة، ويقول إن قريته كانت تنتج كما كبيرا منه وتبيعه في مدينة نابلس، وآخر يخزن لفصل الشتاء، فهو غني بالسكر والسعرات الحرارية.

لا أحد يقصد الساوية هذه الأيام إلا يعود بكمّ وافر من القطين، أو على الأقل يُضيفه منه أهلها، فكل السكان تقريبا ينتجونه محليا أو يدخرونه كطعام رئيسي.

لا أحد يقصد الساوية هذه الأيام إلا ويعود بكم وافر من القطين أو يضيفه منه أهلها (الجزيرة)
المصدر : الجزيرة