المتطوعون الرحل بالمغرب.. شغف الترحال وثقافة التطوع في حياة الأطلس الكبير

المتطوعون الرحل بالمغرب.. شغف الترحال وثقافة التطوع في حياة الأطلس الكبير

آدم ورفاقه.. حين تشرق وجوه الأطفال يعم النور (الجزيرة)
آدم ورفاقه.. حين تشرق وجوه الأطفال يعم النور (الجزيرة)

 مريم التايدي-الأطلس الكبير/ضواحي مراكش

يقف بهمة الكبار، غلب فضوله خجله، وضع يده في جيبه وهو يدفع صقيع الصباح بقريته النائية وقد لفح وجهه البرد وزاده حمرة على حمرة خجله. رمق "الغرباء" من بعيد وبدأ يقترب شيئا فشيئا. آدم طفل في السادسة من عمره يخبئ عينيه بكُم عباءته الصغيرة، ويبتسم وهو يسمع أناشيد سلسلة الأطفال "سيمبا" من هاتف أحد المتطوعين الرحل الذين حلوا مع فجر يومه ضيوفا على مدشره (منطقته).

المتطوعون الرحل يشقون طريقهم في جبال الأطلس الكبير  (الجزيرة)

متطوعون رحل
قبل سنتين تجمع شباب مغاربة من مختلف التخصصات العلمية والمهنية، ووحدوا شغفهم بالترحال وتطوعوا لفعل الخيرات لصالح القرى النائية، فأطلقوا مبادرة "متطوعون رحل" ببرامج صيفية وشتوية، وحولوا السفر والتطوع إلى أسلوب حياة، وهدفوا لتقريب الخدمات وفك العزلة عن آدم ورفاقه بالقرى النائية.

يقول محمد العبودي، المسؤول عن التواصل بالمبادرة للجزيرة نت "نوفر بيئة تمكن أي متطوع من تقديم خدمة واقتسام الكفاءة التي يمتاز بها في الميدان التعليمي والصحي". توفر "متطوعون رحل" برامج تطوعية من خمسة أيام وسط السنة، وبرنامجا تعليميا تطوعيا يدوم شهرا كاملا خلال فصل الصيف، يتعلق بتأطير الأطفال المقبلين على التعلم بالمناطق الناطقة بالأمازيغية.

وتهدف فكرة متطوعون رحل حسب العبودي إلى ترك تأثير مستدام بالمناطق المعزولة بدل تقديم الصدقات وحدها "نطمح أن يدعم الناس أنفسهم بأنفسهم في المستقبل، لهذا نركز على التعليم والصحة".

بهلوان وبالونات تزرع البسمة على وجوه الصغار (الجزيرة)

نحو الأطلس الكبير
تجمع الشباب بقلب مدينة الرباط بعد أن أوصوا بعضهم بضرورة الاستعداد لانخفاض درجات الحرارة، وتوفير حقائب النوم المتنقلة، والأحذية الخاصة بالمشي في الأماكن الوعرة. كانت الساعة تشير إلى التاسعة ليلا حين انطلقت حافلة صغيرة نحو الهدف، المكان جماعة ايت حدو يوسف بمرتفعات الأطلس الكبير بضواحي مراكش، والبرنامج قافلة طبية متنقلة لصالح أربع مناطق.

توقفت الحافلة بالدار البيضاء لاستكمال باقي الأعضاء المتطوعين، جزء منهم أطباء وممرضون، وبين التعارف وتبادل التجارب وتجاذب أطراف الحديث، شقت الحافلة طريقها في الظلام، لتتوقف عند الرابعة صباحا بمركز شيشاوة في ضواحي مراكش. بعد راحة صغيرة سيتغير المسار ويتحول إلى سلسلة من المنعرجات لأكثر من أربع ساعات في جنح الظلام.

يعمل شباب المتطوعون الرحل على منطقة معزولة لسنتين متتابعتين، أطلقوا تجربتهم النموذجية من زاوية منطقة احنصال بأزيلا، التي قدموا بها قفة رمضان مرتين، وكسوة العيد، وقافلة الحقائب المدرسية، وكفالة الطالب، وقوافل طبية، وجهزوا بها روضا بالمواصفات العصرية لصالح الأطفال. وهذه المرة قصدوا جماعة ايت حدو يوسف بقافلة طبية متنقلة.

انسجام بين الأهالي والمتطوعون  (الجزيرة)

تطوعنا وترحابهم
على ارتفاع أكثر من ألفي متر أشرقنا بدوار ايمتلي قبل شمسه الغافية، وجدنا بعض سكان القرية بانتظارنا، تهللت أساريرهم، ورحبوا بنا وكأننا أهل طال غيابهم، ساعدوا في حمل صناديق الأدوية، وآلة للكشف بالصدى، وتبادلوا أطراف الحديث مع مستشارة محلية، ورئيسة جمعية إيفولكي للتنمية (جمعية مدنية شاركت المتطوعين الرحل في القافلة الطبية، نسقت مع الساكنة، ووفرت الخدمات اللوجستية)، قبل أن يرافقونا إلى بيت في أعلى المنطقة.

بكرم أهل القرى وبساطتهم، شاركناهم إفطارا محليا قبل أن يتهيأ كل لعمله. تقول خديجة رفيق وهي طبيبة عامة ورئيسة جمعية المتطوعون الرحل "نسافر ونتطوع بأسلوبنا، يستقبلنا السكان بالترحاب، هم طيبون وتلقائيون، ونحن نحاول بقدر استطاعتنا زرع الفرح في قلوب الصغار والكبار".

أطباء ضمن فريق المتطوعون الرحل يكشفون على أطفال القرية  (الجزيرة)

يوم طبي لكل قرية 
ما هي إلا دقائق، حتى تحول البيت الذي استقبلنا إلى مستوصف صغير، شرع فريق في ترتيب الصيدلية، واستعد الطاقم الطبي (جلهم أعضاء بمتطوعين رحل، وممرضان من المندوبية الإقليمية لوزارة الصحة)، في حين حولت إحدى الطبيبات غرفة من غرف البيت إلى قسم للكشف بالصدى.

بدأت طوابير الشيوخ والنساء والأطفال تصل تباعا، بجد وتفان استقبلهم الطاقم الطبي، شخص الأمراض وقدم الدواء ممزوجا بالأمل والبسمة. توضح خديجة رفيق أن أغلبية المشاكل الصحية لدى الساكنة مرتبطة بنمط الأكل ونوعية الماء والمناخ، لهذا يعمل الشباب على التوعية الصحية.

وتضيف الطبيبة والرحالة المتطوعة أن المنطقة تعاني الخصاص في العلاج نتيجة غياب البنية التحتية بالأساس، مشيرة إلى أن الأمراض تكون بسيطة وتتضاعف نتيجة الإهمال.

أما حكيمة الهيري رئيسة جمعية إيفولكي للتنمية توضح أن القافلة الطبية المتنقلة استهدفت بالأساس الأم والطفل وخصوصا المرأة الحامل، التي تعاني صعوبات الولادة حيث لا توجد طبيبة توليد بالمنطقة.

متطوعة تضع لمتطوعة ماكياج للبهلوان من أجل الأطفال  (الجزيرة)

تعاون وتوعية وبهلوان
بدأ سكون القرية يتلاشى بضحكات آدم ورفاقه وفرحهم، وخففت حرارة اللقاء ما بقي عالقا من صقيع على الأحياء والجماد. من المتطوعين من تحول إلى بهلوان، ومنهم إلى عازف غيتار. تقول فاطمة الزهراء (متطوعة)، وهي تطبع على وجوه الأطفال قلوب وفراشات "أصبح السفر التطوعي أسلوبا في حياتي، أحسني أولد من جديد مع كل بسمة في شفاه الأطفال المحرومين، ويكسبني اللعب معهم وتوعيتهم ارتياحا نفسيا لا مثيل له".

أدم الصغير ..حين يشرق الأمل في المستقبل  (الجزيرة)

بالون آدم الوردي
أعجبت حكيمة وهي التي قضت أكثر من عشرين سنة في العمل التضامني والتطوعي بمبادرة "متطوعون رحل"، وأكدت أن فكرة التنسيق معهم جاءت لإيمانها بأن التعاون والتضامن بين مكونات المجتمع المدني يمكّن من التصدي لجميع العراقيل. وتعتبر حكيمة أن الشباب هم حاملو المشعل لفك العزلة والتصدي للهشاشة.

تركنا المتطوعين الرحل يكملون بهمة عالية قافلتهم إلى دواوير أخرى حيث يتحملون مشاق السير على الأقدام وصعوبة البرد وقسوة المناخ، ويخاطرون بوجود أمراض معدية، يزرعون بذرة الشفاء والأمل في النفوس ويضيئون الأمكنة بضحكات الأطفال وصخبهم وفرحهم. وتركنا آدم يلعب ببالون وردي وقد أشرق وجهه فرحا، فهل تكفي مبادرات الشباب المتطوع للإبقاء على بسمته؟

هل تكفي مبادرات الشباب المتطوع للإبقاء على بسمتهم؟  (الجزيرة)

المصدر : الجزيرة