بعد تشتيله.. العكوب الفلسطيني لم يعد حكرا على الجبال

العكوب ينمو بشكل طبيعي بين الجبال وخفف التشتيل على المواطنين في الضفة الغربية (الجزيرة)
العكوب ينمو بشكل طبيعي بين الجبال وخفف التشتيل على المواطنين في الضفة الغربية (الجزيرة)

عاطف دغلس-قلقيلية

بعد الآن لن تتكبد المسنة الفلسطينية حُسن أبو شعر (أم أنور) مشاق الصعود للجبال والبحث عن نبات العكوب، فما كان صعب المنال أضحى بين يديها يسيرا، وأصبح الوصول إليه سهلا بعد أن عمرت أرضها بأشتاله الخضراء أملا في جني محصول أوفر وأفضل.

بدأت أم أنور بحديقة منزلها في قرية جينصافوط قرب قلقيلية شمال الضفة الغربية قبل أن تنتقل لزراعة العكوب في أرض أكبر، فلم يعد الأمر اكتفاء ذاتيا بل أصبح تجارة تستفيد منها وعائلتها وتدر عليها دخلا جيدا.

‪العكوب الفلسطيني أصبح يشتل ولم يعد حكرا على الجبال‬ (الجزيرة)

العكوب وجبة رئيسية
والعكوب نبات شوكي له أهميته وقيمته الغذائية، وعلى الرغم من قلة انتشاره بين عموم الفلسطينيين كوجبة رئيسية كما الحال بشمال الضفة كمدينة نابلس فإنه يحظى بأسعار عالية ويسوّق بأسعار جيدة طوال الموسم الذي يزيد على شهر.

إلى جانب أم أنور كان نجلها محمد أبو شعر (35 عاما) ساعدها الأيمن في زرع العكوب وقطفه يجتهد في تطوير مشروعه حتى اهتدى إلى غرس البذور واستنباتها لتصبح أشتالا يسهل زراعتها، ويكتشف بذلك أن فرص إزهارها وإثمارها أقوى وأكثر نفعا.

ومن فكرة تحولت البذرة لمشروع كبير عند أبو شعر الابن بعد أن أصبح مشروع الألف شتلة الذي بدأه قبل ثلاث سنوات 15 ألفا هذا العام، فالمردود الاقتصادي كبير والطلب يزداد.

‪قبل زراعته أشتالا كانت أم أنور تقطفه من الجبال‬ (الجزيرة)

بذور العكوب "حساسة"
داخل أحواض بلاستيكية صغيرة غرس أبو شعر بذور العكوب معتدا بأمله بالله وبقدرته على التعامل بدقة مع هذه الزراعة "الحساسة"، فاختار بيئة مناسبة ورعاها جيدا لتعطي نتائج متطابقة 100% مع المواصفات التي أرادها.

بهذا النجاح ذاع صيت أبو شعر بين أهالي قريته، وانتشر أكثر بعدما روج لمشروعه عبر صفحته في فيسبوك ليحظى بدعم عالمي ومحلي تمثل بزيارة مختصين من فرنسا واليابان وآخرين من وزارة الزراعة الفلسطينية.

وبهدف النهوض بالمشروع وتطويره كانت اللقاءات، وتبادل الشاب الخبرات مع تلك الجهات، ولا سيما بشأن آلية استنبات الأشتال، ويقول أبو شعر إن بذور العكوب "حساسة" وتستزرع في ظروف خاصة كالتربة والجو البارد والري بكم ووقت محددين "كي لا تتعفن".

‪أبو سمير يرعى أشتال العكوب ويعتني بها‬ (الجزيرة)

الشتاء موسم العكوب
يعمل أغلب السكان في جينصافوط أو "قمة الكرم" كما يعني اسمها تاريخيا بالزراعة، ولهذا وجدت أشتال العكوب التي أنتجها أبو شعر سوقا جيدا، إضافة إلى من قصده من المشترين من شتى المناطق الفلسطينية، ويقول إن العكوب يشكل مردودا جيدا "وإن أكثر من 30% من الأسر ببلدته يسهم العكوب بشكل رئيس في دخلها".

تزرع أشتال العكوب في نوفمبر/تشرين الثاني وديسمبر/كانون الأول وتقطف في فبراير/شباط ويستمر الموسم لأكثر من شهر، والأشتال أوفر حظا بالنمو من البذور التي يظل نموها وإثمارها متقلبا.

وخلال الموسم تتفرع أشتال العكوب وتعطي ثمارا أكثر، وهي تنمو تلقائيا في المواسم اللاحقة، كما أنها تتفسخ (تتفرع) وبالتالي تحمل ثمارا أكثر.

ويقول "جذر النبتة يغوص في الأرض سنويا نحو ثلاثين سنتيمترا، ويستمر عطاؤها حتى إن تم قلب الأرض وحراثتها، خاصة إذا كانت حديثة العمر".

‪التشتيل يقوم على زراعة البذور ببيئة جيدة داخل أحواض بلاستيكية صغيرة‬ (الجزيرة)

طرق مختلفة للطهي
يعد الفرع الذي يحمل كمية أكبر من رؤوس (ثمار) العكوب الأكثر مبيعا والأطيب طعما وليس الأضلاع الخالية، ويطهى بطرق مختلفة، فقد يقلى وحده ويضاف له اللحم أو البيض ويؤكل بالخبز في هذه الطريقة.

وقد يسلق بالماء مع لحم الضأن أو البقر ليصير مرقا، ثم يضاف إليه اللبن البلدي الرائب، وبهذه الحالة يعد إلى جانبه الأرز المسلوق.

كلتا الطريقتين يرغب فيهما أهالي نابلس، وهم يخزنون كميات كبيرة منه بالتجميد، وقديما قالوا فيه "العكوب له طعمية بين اللحم واللية (الدهن) وذلك لاحتوائه بروتينات عالية، كما يغنون له "طوري (نسبة لجبل الطور بنابلس) وبلدي يا عكوب".

وحتى يكون جاهزا للطبخ يمر النبات الشوكي بمرحلة "التعكيب" وبها تقلم ثماره وأضلاعه من الشوك المحيط به، وعادة ما يقوم بذلك أناس متخصصون مقابل أجر معين، وهو ما يزيد سعر الكيلو غرام الواحد لأكثر عشرة دولارات.

‪منذ استرشاده لتشتيل العكوب والشاب محمد أبو شعر يطور الفكرة أكثر‬ (الجزيرة)

العكوب الزراعي يضاهي البري
لا يضاهي العكوب الزراعي مثيله البري فحسب، بل يفوقه من حيث الحجم والجودة، و"مخاطره أقل" حسب أبو شعر، فهو يجنب قاطفيه ملاحقة الاحتلال واعتقالهم وتغريمهم ماليا، خاصة بمناطق "سي" الخاضعة لسيطرته باعتبارها محميات طبيعية.

لذلك اختصر الحاج الثمانيني عبد الكريم محمد (أبو سمير) الطريق من بدايته ولم يكلف نفسه عناء قطف العكوب من البرية فاقتطع جزءا من أرضه في جينصافوط وزرعها بالعكوب.

يقضي أبو سمير جل وقته في أرضه بمثل هذه الأيام، حيث دخول الموسم، يفترش التراب ويبدأ بإزالة الحشائش الضارة من محيط العكوب، ويقول للجزيرة نت إن زرع الأشتال أجدى من البذور، فالطريقة الأولى ينمو بعد عام وتبقى الأشتال ظاهرة وهذا يسهّل الاعتناء بها.

أما البذور فتحتاج عامين لتثمر وهي أقل نجاحا، وينتج أبو سمير أكثر من ستمئة كيلو غرام من العكوب سنويا تدر عليه دخلا كبيرا وتمكنه من العيش الكريم.

‪محمد أبو الشعر: من أسرار العكوب الزراعية أن جذره يغوص بالأرض 30 سم سنويا ويزيده إثمارا وقوة‬ (الجزيرة)
التنمية اليابانية تدعم العكوب الفلسطيني
وهذه الجدوى الاقتصادية دفعت وزارة الزراعة الفلسطينية ووكالة التنمية اليابانية (جايكا) لدعم مشروع الشاب أبو شعر، ويقول مدير الوزارة بمدينة قلقيلية المهندس أحمد عيد "إن الفكرة رائدة والأولى نوعا وكما".

ويضيف أنهم وبطريقة الإنبات للأشتال سيحافظون على البيئة ويحمون العكوب البري من الاندثار، كما أن زراعته شتلا يوفر الوقت والجهد والمال لكونها عملية "رخيصة ودخلها كبير".

وسيصل مشروع أبو شعر لنحو مئة ألف شتلة العام المقبل، ولا سيما في ظل ما بات يتلقاه من دعم من الجهات المعنية، فما يعرض من منتج لا يغطي -حسب قوله- "30% من حاجة السوق".

أشتال العكوب تنمو وتصبح شجيرات صغيرة تتفرع وتعطي ثمارا أكثر(الجزيرة)

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

ارتدت الفلسطينية المسلمة رشيدة طليب ثوبها الفلسطيني التقليدي خلال مراسم أدائها القسم الدستوري بالكونغرس الأميركي منتصرة لنفسها وشعبها وللزي الذي طرزته الأمهات بأيديهن، ليشعل بصورته مواقع التواصل الاجتماعي والصحف العالمية.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة