الكتابة على جدران بغداد.. دواوين شعر للمراهقين

أصبحت جدران البنايات في بغداد ولا سيما المدارس منها "دواوين شعر" للمحبين والمراهقين.. فما سبب هذه الظاهرة؟ (الجزيرة)
أصبحت جدران البنايات في بغداد ولا سيما المدارس منها "دواوين شعر" للمحبين والمراهقين.. فما سبب هذه الظاهرة؟ (الجزيرة)

عبد الله النعيمي-بغداد

ربما لم نكن لنعرف الكثير عن حكايات العشاق، إلا من خلال القصص التي تناقلتها الكتب والمجالس عن الحب الذي يخلو من التعدي على حقوق الآخرين وتعكير صفو أجوائهم.

لكن صور التعبير عن الحب اختلفت اليوم كثيرا، لتصبح عبارات مكتوبة على جدران البنايات والمنازل والأماكن العامة، كما يحدث اليوم في بغداد.

أصبحت جدران البنايات في بغداد ولا سيما المدارس منها "دواوين شعر" للمحبين والمراهقين تمتلىء بالكتابات والعبارات التي شوهت شكلها، وأثارت موجة غضب شعبية دفعت العديد من الأهالي لتقديم شكاوى إلى الجهات الرسمية للحد من الآثار المترتبة على هذه الظاهرة.

ويرى عدد من الشباب أن هذه الطريقة تمثل تعبيرا صادقا عن حبهم، وطريقا مفتوحا للوصول الى قلب الحبيبة وإيصال رسائلهم إليها، أما الجدران فهي ملكهم ومن حقهم الكتابة عليها في أي وقت يرغبون فيه "دون تقييد لحريتهم أو مصادرة أفكارهم وآرائهم". 

‪صورة لأحد شوارع بغداد‬ (الجزيرة)

المقاهي لا المدارس
الناطق الرسمي باسم نقابة المعلمين العراقيين ناصر كاظم أكد أن غياب الرعاية الحكومية واحتضان الشباب واستيعابهم في مرحلة حساسة من عمرهم من أبرز الأسباب التي تدفعهم إلى ممارسة هذا السلوك، إضافة للتوسع بإنشاء المقاهي على حساب المدارس.

كل هذا أسهم بارتفاع نسب الأمية وتدني الوعي والإدراك، وهو ما على الجهات المسؤولة أن تتصدى له وتوقع العقوبة بممارسيه، على غرار ما أقره مجلس القضاء الأعلى حين شمل مفتعلي ما يعرف بـ"الدكة العشائرية" بالمادة الرابعة من قانون الإرهاب، على حد قوله.

‪ناصر كاظم الناطق باسم نقابة المعلمين:  التوسع بإنشاء المقاهي على حساب المدارس هو السبب‬ (الجزيرة)

تنافس ومباهاة
ويستغرب الكثيرون حجم التباهي والتنافس في أوساط الشباب الذي يمارسون هذا السلوك الغريب، حتى أصبح البعض يعتبرها تتويجا لحبهم ومشاعرهم أمام حبيباتهم، مستغلّين غياب الرقابة على المؤسسات الحكومية والأهلية، والتي تعد الواجهة التربوية والعلمية للبلد.

ولم تقتصر الظاهرة على الشباب، بل كان للبنات نصيب منها أيضا، حيث انتشرت صور في مواقع التواصل الاجتماعي لمجموعة من البنات يكتبن عبارات مختلفة أثارت استياء شعبيا كبيرا، ومطالبةً بوضع حد لهذه الممارسات وأمثالها.

ويعبر أبو سيف وهو والد لطالب في المرحلة الابتدائية عن استيائه من رؤية تلك المناظر التي يشاهدها وهو يوصل ابنه إلى مدرسته، لانعكاسها سلوكيا على تصرف ابنه مع إخوته، وترديده لتلك العبارات التي لم تعتد عائلته عليها.

كل ذلك حمّل الأهل أعباء أخرى تضاف إلى تعقيد المناهج والمعوقات الأخرى التي تشترك في تدني المستوى العلمي للطلبة، بحسب بقوله.

أزمة وعي
ويبين الباحث التربوي ثامر حساني أنّ جذور هذه الظاهرة قديمة وليست وليدة اللحظة، لكنها لاقت رواجا وانتشارا كبيرا في السنوات الأخيرة نتيجة الضغوط النفسية والانفعالات الداخلية لدى الشباب، والتي سببتها التراكمات المتكررة من الحروب والتخبطات وتضرر السلم المجتمعي.

وأضاف حساني للجزيرة نت سببا آخر وصفه بحجر الزاوية في هذه المسألة، وهو ضعف الوعي بشكل عام وعدم إدراك الضرر الذي سيلحق بالممتلكات العامة نتيجة هذه الممارسات "الصبيانية"، مبيّنا أن أغلب هذه الأفكار مستوردة من دول أخرى، وفاعلها يضعها في خانة "التحضر"، فهو بهذا ناقل لتلك السلوكيات وليست بالضرورة أن تكون متأصلة بداخله.

أهمية احتواء الشباب
أما الباحث الاجتماعي عبد الرحمن عبد الستار فدعا الجهات التربوية والتعليمية إلى التركيز على احتواء الشباب والتجاوب مع عواطفهم بصورة عملية، وذلك بجدولة وقتهم وتخطيطه، ودفعهم لمزاولة بعض الأعمال المفيدة لهم كالرياضة والتدرب على المهن واكتساب المهارات.

وبالإضافة إلى ذلك إقامة دورات لتعلم لغات جديدة، وتشجيعهم على القراءة والمطالعة، وإشراكهم في حوارات ثقافية وتعليمية بين الأسرة والأصدقاء يوميا أو أسبوعيا، بطرح مواضيع مهمة وجادة النقاش حولها، وذلك كنوع من العلاج لمثل هذه الظواهر الغريبة، وفق ما يرى.

‪تعزيز احترام بغداد كعاصمة للبلاد، يمكن أن يمنح الشباب مزيدا من الاهتمام بالمحافظة على مدينتهم والعناية بواجهاتها الحضارية‬ (وسائل التواصل الاجتماعي)

تعزيز احترام بغداد
ويرى كثيرون أن بعض ممارسات الأجيال الشابة في العراق باتت تندرج تحت قاعدة "كل ممنوع مرغوب"، ومما ساهم في ذلك قصور الفهم وافتقار الاحساس بالمسؤولية، وهي مشاكل لا يمكن التغلب عليها إلا باشتراك التعليم مع الوعي والحرص والمسؤولية.

كما أن تعزيز احترام بغداد كعاصمة للبلاد، يمكن أن يمنح الشباب مزيدا من الاهتمام بالمحافظة على مدينتهم والعناية بواجهاتها الحضارية أمام الزائرين.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

التحليلات السياسية والقضايا الاجتماعية والمشكلات الاقتصادية تعد مادة دسمة لمن يستقل الباص الأشهر في بغداد والمعروف بـ "الكيا"، لما له من خصوصية عند العراقيين لكونه أداة النقل الأكثر استخداما.

المزيد من أسلوب حياة
الأكثر قراءة