عثمان.. المغربي الذي طاف أفريقيا مشيا

عثمان يتوقف لاسترجاع الأنفاس بعد مسير لمسافة طويلة (الجزيرة)
عثمان يتوقف لاسترجاع الأنفاس بعد مسير لمسافة طويلة (الجزيرة)

عزيزة بوعلام-الرباط

في أمسية احتضنتها مدينة الرباط مساء أمس الأحد، أطل الشاب المغربي عثمان زولاتي الذي جاب أدغال أفريقيا مشيا على الأقدام، بتسريحة شعره على شاكلة "الراسطافاري". 

وتحدث زولاتي في لقاء مفتوح مع الجمهور المغربي بتلقائية وبساطة، عن رحلته للقارة السمراء في قصة مليئة بالتصميم والعزم والشجاعة.

تشع عيناه بهجة، وهو يروي تجربة مثيرة لا تزال غضة بتفاصيلها في ذاكرته. ففي أواخر أغسطس/آب الماضي، عاد عثمان إلى بيته بمدينة الجديدة التي بدأ منها رحلته بمبلغ لم يتجاوز 84 دولارا، عبر فيها 24 دولة أفريقية انطلاقا من موريتانيا وصولا إلى جنوب أفريقيا.

وقال بحماسة إنه خاض الرحلة ليكتشف من خلالها ذاته ومن حوله، ولم يلتفت لما يمكن أن تنطوي عليها من مخاطر في محطاتها الكثيرة. واعتبر السفر مشيا على الأقدام متعة جعلته يفتش في الأماكن، ويبحث عن خبايا كل منطقة وأسرارها وعاداتها وتقاليدها وناسها.

‪في لقاء مفتوح مع الجمهور المغربي يتحدث عن مسار رحلته لأفريقيا‬  (الجزيرة)

وفي حديثه للجزيرة نت، حكى الشاب عثمان (25 عاما) كيف تنقل في رحلته مشيا على الأقدام بين ست دول في غرب أفريقيا انطلاقا من المغرب، وبتوقيف السيارات في طريقه، ثم بدراجة هوائية بين عشر دول أخرى، قبل أن يستكمل مغامرته بلوحة تزلج إلى الدول الثماني المتبقية في رحلته.

وعبر فيديوهات وأفلام قصيرة، جعل عثمان كل متتبعيه يعيشون معه الرحلة وما حدث فيها، إضافة إلى معرض بمئات من الصور الفوتوغرافية، لرجال ونساء وشباب وأطفال وشيوخ وأحاديث ومواقف وطرائف، وتفاصيل تعيده إليها لقطات قال إنها ستبقى رصيده من مغامرة يصفها بأنها الأغنى بالزاد المعرفي، الذي كون شخصيته على نحو فريد.  

مغامرة فريدة
وبابتسامة لا تفارق محياه، تحدث عثمان بانتشاء عن مخاطر وعوائق شكلت جزءا من رحلته، فكل يوم بالنسبة له كان يختلف عن الذي يليه، وذلك ما أكسبه معرفة ثقافة وعادات وتقاليد شعوب أفريقيا، كما يقول.

‪يستعين بالسكان المحللين في التنقل‬  (الجزيرة)

شهورا قضاها وحده في أماكن غريبة ومرعبة، مستأنسا بمشاهدة الطبيعة، والاستمتاع بالصمت. ما زالت ذاكرته تختزن لحظات التيه في الصحراء ما بين إثيوبيا وكينيا حيث بقي ثلاثة أيام بدون ماء، وأيضا تفاصيل اعتقاله في ساحل العاج للتحقيق في هويته، ومشاكل عاشها بسبب اتهامه بأنه إرهابي عندما وصل الحدود في مالي، ومرضه لأيام بـالملاريا والبلهارسيا.

وفي خضم هذه العقبات والأوقات العسيرة، اعتقد عثمان أنه فقد تركيزه. تتقد تعابير وجهه حماسة وهو يقول "في أوقات كثيرة شعرت بأنني لست مستعدا للمضي أكثر، وفي أوقات أخرى شعرت بأنني أسير في الاتجاه الصحيح"، مضيفا "لكن فائدة المشي تكمن في كونه يبطئ حركتي ويمنحني صفاء التفكير وسلامة التقييم، وذلك ما مكنني من متابعة الطريق".

ما إن يلفظ الظلام آخر أنفاسه حتى يسارع عثمان إلى توضيب خيمته الصغيرة. وجبة صباحية بسيطة ينهيها على عجل، ثم يحمل حقيبته على ظهره، ومحفظة صغيرة بها بعض اللوازم الضرورية وآلة تصوير، يوثق بها المحطات التي يعبرها في رحلته الطويلة. هذا الطقس اعتاده الرحالة العشريني منذ أن بدأ مسيره اليومي شهر يناير/كانون الثاني 2015 في أفريقيا.

‪عثمان حرص على توثيق محطات رحلته في أفريقيا‬ (الجزيرة)

يصعب على من يصادف عثمان، أن يستوعب قصة مغامرته الاستثنائية، فلا معالم إعياء أو تعب بدت على محيا هذا الشاب بعد أربعة أشهر فقط من عودته من رحلة قطع فيها خمسة آلاف كيلومتر أمضاها منفردا على مدى أربع سنوات.

رحلة أخرى
كان عثمان يشتغل في مهن بسيطة لضمان مبالغ مالية تساعده على تغطية نفقات مغامرته الفريدة. وفي أحيان أخرى يقدم خدمات للسكان مقابل توفيرهم المأكل والمبيت له. 

تحدث عن اشتغاله لدى صيادين في السنغال، وعمله في مطعم ثم ورشة ميكانيكا في مالي، كما امتهن بيع الأحذية في ساحل العاج.

‪عثمان زاول مهنة ميكانيكي في مالي‬ (الجزيرة)

وبموازاة ذلك، كان هذا الشاب الحاصل على دبلوم، يقدم طلبات عمل لدى شركات البلدان التي يحط بها الرحال. وحكى كيف أمضى أكثر من أشهر بساحل العاج، بعد حصوله على عمل بشركة، حتى تمكن من تجميع ما يكفيه من المال لاستئناف رحلته.

يروي عثمان -الذي زهد في البحث عن العمل بعد تخرجه من المدرسة العليا للتكنولوجيا ليتفرغ لمغامرته- حكاية انخراطه بحماس لتحقيق حلمه رغم اعتراض والديه، وتشكيك عائلته وزملائه في قدرته على بلوغ هدفه.  

وقال والده في حديث للجزيرة نت "لا يمكن أن تسمح أي أسرة لابن في العشرينيات من عمره، أن يخرج في جولة طويلة مثل هذه"، لكنه عاد ليؤكد أن إصرار عثمان كان أقوى من أي إقناع بتغيير رأيه.

يعشق المغامرة
وتجمع أسرة عثمان على أنه منذ صغره كان يعشق المغامرة والسفر ويحب اكتشاف كل شيء حوله، وكان حلم حياته أن يقوم برحلات يجوب فيها العالم، ليكتشف مدى اختلاف الحياة في كل مكان.

‪يستريح في الطريق بين الفينة والأخرى‬ (الجزيرة)

وبعد أن حقق الآن حلم رحلته حول القارة الأفريقية، يقول عثمان بنبرة تحد أن الرحلة ما زالت مستمرة، وما عودته هذه للمغرب إلا استراحة عمل فيها على تلخيص مغامرته من خلال فيلم وثائقي سماه "الحلم الأفريقي" ونال به جائزة المهرجان الدولي لفيلم المغامر في الرباط.

ويستعد عثمان لشد الرحال في غضون الأيام المقبلة إلى جنوب أفريقيا لدراسة التصوير والملاحة، في إطار الاستعداد لخوض مغامرة رحلة جديدة تنطلق من المغرب نحو أميركا اللاتينية واختار أن تكون عبر مركب شراعي. 

ويرى مهتمون بالمجال أن هذه المغامرات تحيي وسيلة أو عادة قديمة، لكن من بوابة السفر مشيا على الأقدام، ويقصد أصحابها تحقيق رسائل وأهداف عدة تختلف من رحال لآخر.

المصدر : الجزيرة

حول هذه القصة

على بعد خطوات من الساحة الأمامية لمبنى البرلمان المغربي، يظهر حانوت محمد المرضي الملقب "بالروبيو" (وتعني الأشقر بلغة أهل شمال المغرب)، أشهر بائع جرائد في شارع محمد الخامس بالعاصمة الرباط.

المزيد من متفرقات
الأكثر قراءة