بيوت عمّان القديمة.. عودة الروح من أبواب المطاعم والمقاهي

انتشرت ظاهرة تحويل بيوت عمّان إلى مطاعم بصورة خاصة في جبل عمّان واللويبدة ووسط البلد (الجزيرة)
انتشرت ظاهرة تحويل بيوت عمّان إلى مطاعم بصورة خاصة في جبل عمّان واللويبدة ووسط البلد (الجزيرة)

خالد المجالي-عمّان

تعددت أنشطة ليندا خوري لكن مشروعها الأبرز كان افتتاح مطعم ومقهى ذي نمط مختلف عن السائد. فقد اختارت أحد منازل العاصمة عمّان -العائدة إلى أربعينيات القرن الفائت- في جبل اللويبدة العريق، ورممته محافظةً على شكله القديم وجمالياته من الداخل والخارج، والديكورات التي ميزت بيوت المدينة في تلك الفترة، والبلاط والنوافذ، حتى أنها اجتهدت في محاكاة قطع الأثاث التقليدي وتصميم ما يطابقها.

لم تهدف ليندا خوري -وهي الفوتوغرافية والناشطة في البيئة والمحافظة على التراث- أن تؤسس لمشروع سياحي ربحي بقدر توقها للحفاظ على جزء من الذاكرة الوجدانية لأهالي عمّان، وإعادة إحياء عادات غذائية سليمة، وتقديم الوجبات النباتية العضوية للجيل الجديد الذي أدمن الوجبات الجاهزة والمأكولات السريعة.

البيوت ليست حجارة بل هي تاريخ وذكريات وحكايا (الجزيرة)

عودة الروح للمكان
مشروع ليندا خوري يأتي ضمن موجة مشاريع مشابهة انطلقت منذ عقدين، حيث يتم تحويل البيوت القديمة إلى مطاعم ومقاه وفنادق صغيرة.

عن تلك التجربة، تقول ليندا إن "البيوت ليست حجارة، بل هي تاريخ وذكريات وحكايا. لماذا نتركها مهملةً ومهجورة وعرضة للتدمير؟! أنا مع الحفاظ عليها وإعادة الروح إليها إن لم يكن بالسكن فبأي وسيلة أخرى، كتحويلها إلى مطاعم ومقاه ومراكز فنية وثقافية وصالات عرض، وعليه كان مشروعي الأثير هذا".

وتشير إلى أنها أعادت للمكان هيبته على حد تعبيرها، وتضيف "أعدت تبلطيه ورممت نوافذه الخشبية، فقربت الشباب الصغار وحتى الأجانب -المقيمين منهم والزائرين- من أجواء عمّان القديمة ونمط الحياة الشعبية فيها".

أهالي عمّان والسياح يقبلون على المطاعم والمقاهي التي تحتضنها بيوت العمّانيين القديمة (الجزيرة)

إقبال كبير
يقبل أهالي عمّان ومعهم السياح العرب والأجانب على تلك المطاعم والمقاهي التي تحتضنها بيوت العمّانيين العائد بعضها لأكثر من قرن.

مشروع ليندا خوري ليس الوحيد من نوعه، بل هي ظاهرة بدأت قبل عقدين، وانتشرت بصورة خاصة في جبل عمّان وجبل اللويبدة ووسط البلد، تلك البقع التي شهدت ولادة العاصمة الحديثة الممتدة حاليا على مساحة كبيرة يلتقي فيها القديم مع الحديث في تزاوج فريد قلَّ نظيره.

سيف القسوس يتحدث لنا أيضا عن تجربته في تحويل فيلا قديمة عائدة لثلاثينيات القرن الماضي، تحتل موقعا مميزا في شارع الرينبو العريق وسط عمّان، إلى مطعم شرقي يقدم مأكولات أردنية وعربية.

يقول سيف "قبل سنوات اشتريت تلك الفيلا العائدة إلى عائلة أرمنية هاجرت للأردن بدايات القرن العشرين، وكانت بوضع جيد، إلا أنني أضفت لديكورها بعض اللمسات العصرية، فنجح المشروع بصورة مبهرة ولاقى استحسان الجميع، وقد تحول المكان إلى ما يشبه المتحف الذي يؤرخ لفن العمارة ونمط الحياة العمّانية قبل عقود".

أنماط حياتية جديدة لبيوت عمان في فضاء المدينة، مع الحفاظ عليها وإعادة الروح إليها (الجزيرة)

مع الفكرة.. ولكن!
وعن تحويل بيوت عمّان إلى مطاعم وخلفيات ذلك النشاط، يعلق الفنان التشكيلي مهندس العمارة عمّار خماش بالقول: "بشكل عام علينا الاعتراف بأن النسيج العمراني والموقع في بعض الأحيان أصبح غير مناسب للسكن، بسبب تحول الشارع لاستعمالات تجارية، وهذا يعني أن معظم البيوت السكنية القديمة على الشوارع الرئيسية أصبح من الصعب العيش فيها، فالوضع اليوم لا يمكن مقارنته بخمسينيات وستينيات القرن الماضي".

ولا يعارض خماش الفكرة مبدئيا، لكن له شروطا. فهو يرى أن مشاريع المطاعم سلاح ذو حدين، بعضها يدمر المبنى الأصلي وبعضها يحميه، وأردف "حصل تهافت على البيوت القديمة من مبادرات ظنت أن البيت القديم يضمن نجاح المطعم، بغض النظر عن الخدمة ونوعية الطعام، وتم أحيانا تشويه بيوت من الثلاثينيات والخمسينيات بأن تم زجها بنمط مسرحي أو بدوي أو قروي بعيد كل البعد عن أصل الفترة التاريخية في عمّان".

ويختم بالتأكيد على أهمية اجتراح أنماط حياتية جديدة في فضاء المدينة بطريقة مدروسة، حيث إن " الأهم في آخر المطاف هو ضمان حياة المدينة ككائن به نبض وديناميكية وحياة اقتصادية وثقافية واجتماعية بها توازن، لكن دون طمس أو تشويه شواهد فترة مهمة من تاريخ المدينة".

عمّان ممتدة حاليا على مساحة كبيرة يلتقي فيها البناء القديم مع البناء الحديث (الجزيرة)

تحولات مستقبلية
يذكر أن النشاط العمراني في عمّان بدأ منذ اختيارها عاصمة للدولة الأردنية عام 1921، وقد تميز البناء بتأثره البالغ بأنماط البناء التقليدي في فلسطين ولبنان وتركيا، إلا أن الحداثة اجتاحت المشهد العمراني مع بداية الخمسينيات، فبدأ الناس يصممون منازلهم متأثرين بمدارس العمّارة الغربية الحديثة، لكن البناء في المدينة بقي متميزا بمتانته واعتماده على الحجر كمادة أولى وأساسية في البناء.

إلا أن السؤال الملح اليوم هو: ما الشكل المستقبلي لبيوت أهل المدينة في ظل النهضة العمرانية الكبيرة وظهور الأبراج السكنية الزجاجية؟ وهل تتحول منازل اليوم هي أيضا إلى مطاعم ومقاهٍ ومنشآت سياحية مستقبلا؟ التحولات الاقتصادية والاجتماعية وأمزجة الناس وأذواقهم هي ما سيحدد ذلك بالتأكيد. 

المصدر : الجزيرة